تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

فعلى خلاف الظن الشائع، أو بالأحرى الخطأ المعتمد، احتلت الطبيعيات في علم الكلام القديم - السائر قدما نحو المتجه الإلهي - مكانا فسيحا في صدر المسرح الفكري، ولئن لم تكن الطبيعة من المشكلات الكبرى أو من أصول المعتزلة الخمسة ولا من العناوين التقليدية للمصنفات الكلامية، فإنها منبثة في كل هذا حتى شهدت مع المتكلمين زخما وثراء.

فالطبيعيات هي العالم، هي «كل موجود سوى الله تعالى»،

2

سوى عالم الغيب، هي عالم الشهادة، بتعبير معاصر هي الكون الفيزيقي. وقد تحول العالم والكون على أيدي المتكلمين إلى جواهر وأعراض، وسرعان ما أصبحت «الجواهر والأعراض» هي الأنطولوجيا الكلامية، وأهم ما في الأمر أنهم لم يختلفوا كثيرا بصددها، اتفقوا على أساسيات الطبيعيات - أو تصور العالم - وعلى وضعها في المنظومة الكلامية، الخلاف في التوجهات النهائية والهدف الذي رامه الفريق منذ البداية، وعلى وجه التحديد في مفترق الطرق بين المعتزلة والأشاعرة.

وثمة أسلوبان لتناول علم الكلام القديم، فإما النظر إليه كفرق، وإما النظر إليه كموضوعات. بهذا الأخير نجد الموضوعات ستة: التوحيد، القدر، الإيمان، الوعيد، الإمامة، ثم اللطائف؛ أي الطبيعيات. الإلهيات (= العقليات) تشمل التوحيد والقدر. والسمعيات (= النقليات) تشمل الإيمان والوعيد والإمامة.

أما اللطائف أو الطبيعيات فموضوعها الجسم والحركة والزمان والمكان؛ أي العالم الفيزيقي كما أشرنا. وهي «دقيق الكلام» الذي هو مجال العقل وحده، مقابل «جليل الكلام»؛ أي العقائد التي نفزع فيها إلى كتاب الله. هكذا تشير الطبيعيات إلى بداية التفكير العلمي في الطبيعة، بل تطور هذا إلى ما يمكن أن نسميه مشروع إنشاء علم طبيعي، «ولكن هذا الفكر العلمي البازغ من ثنايا الفكر الديني، تم إسقاطه من الحساب ثم إجهاضه بسيادة الفكر الديني وحده، فانفصل العلم عن الدين والبدن عن النفس والشيء عن العقيدة والعالم عن الله.»

3

فالطبيعيات لم تكن إلا سلما للإلهيات، وليست مطلوبة في حد ذاتها أبدا للفهم والتفسير، المطلوب فقط استخدامها، وبالتحديد استخدام «حدوث العالم» كدليل على العقائد الإلهية. الحادث هو الجسم الطبيعي، فكانت الطبيعيات محض صورة عقلية للإلهيات، خادمة لها وليس للإنسان في حين أن الإنسان هو الذي يحيا في الطبيعية، وهو الذي يصارعها، وهو الذي يحتاج لترويضها وتطويعها.

دليل الحدوث؛ أي كون حدوث العالم أو العالم الحادث المخلوق دليلا على وجود الله وقدرته وعلمه الشاملين، وحكمته وحياته. ذلك هو ما سلم به المتكلمون جميعا تسليما، بل المسلمون جميعا، أوليس الكلام مكنوننا النفسي ... أيديولوجيتنا؟ فكان دليل الحدوث هو مدخل اشتباك علم الكلام القديم بالعالم، ومن ثم بالطبيعيات.

فلم يكن العالم بالنسبة للمتكلمين إلا علامة على وجود الله، على ما وراءه؛ «إنما سمي «العلم» علما؛ لأنه إمارة منصوبة على وجود صاحب العلم، فكذلك «العالم» بجواهره وأعراضه وأجزائه وأبعاضه دلالة دالة على وجود الرب سبحانه وتعالى.»

4

كلمة «عالم» مشتقة أصلا من العلم والعلامة، وفي أصلها اللغوي البعيد من الحسي: العلام؛ أي الحناء لما يترك من أثر باللون، والعلامة ما تترك في الشيء مما يعرف به، ومن هذا العلم لما يعرف به الشيء أو الشخص كعلم الطريق وعلم الجيش (الراية)، وسمي الجبل علما لذلك. ومنه علمت الشيء أي عرفت علامته وما يميزه، ونقيضه الجهل، وتكون بعد ذلك المعاني الخاصة والاصطلاحية في «العلم».

5

لم ترد لفظة «العالم» ولا لفظة الطبيعة في القرآن الكريم أبدا، وردت فقط في صيغة الجمع «العالمين»، ربما على سبيل التأكيد ثلاثا وسبعين مرة، هذا غير «العالمين» (بكسر اللام) من العلم بالشيء، التي وردت ثلاث مرات.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبلص ١٩