تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا في علم الكلام الجديد بصفة عامة، وفي طبيعياته بصفة خاصة؛ نجد هذا بالضبط في كلمة واحدة جملة الهدف وقصارى المنشود وغاية الكلام في المرام. فقد كانت الطبيعيات المتبدية في علم الكلام القديم مقدمة للبرهنة على وجود الله، ووسيلة لإثبات عقيدة التوحيد، والمطلوب من علم الكلام الجديد العكس؛ البدء من الإيمان بالله القار في الشعور وعقيدة التوحيد المثبتة في الأبنية النفسية للجماهير، كمقدمة لإثبات وجود العالم، ووسيلة لدفعنا للخوض في اكتشاف الطبيعة والسيطرة عليها، تجذير هذا في أيديولوجيتنا وتوطين الروح العلمية في تربتنا الحضارية.

والقطيعة المعرفية تعني ذلك الانتقال الجذري إلى مرحلة جديدة، وفي نفس الوقت كانت قد وضعت أصلا - كما أوضحنا - من أجل تفسير طبيعة التقدم في العلوم الفيزيائية كسلسلة مستمرة من الثورات ... فيتداعى إلى الذهن جدلية الفكر العربي المعاصر بين قطبي التنوير والتثوير.

ولكن ما دمنا ننطلق من منظور فلسفة العلوم ونهدف إلى غاية إبستمولوجية هي انضباط وضع الطبيعيات في منظومة علم الكلام، فلا بد أن نستفيد من سيمانطيقية لفظة التثوير والثورة بأصولها الفيلولوجية في اللغة الإنجليزية لا العربية.

في العربية تعود ثورة إلى: «ثار الغبار سطع وأثاره غيره وتثويرا هيجه»، «وثورانا: هاج، ومنه قيل للفتنة ثارت وأثارها العدو، وثار الغضب: احتد، وثار إلى الشر: نهض، وثور الشر تثويرا.»

26

هكذا نجد الثورة في النهاية مردودة إلى «ثار» بمعنى يفيد هاج وماج، فيأتي الرفض والتغيير بفعل قوى انفعالية، وليس هذا هو المقصود.

أما في اللغة الإنجليزية فنجد

Revolutionary : ثوري، جذري متطرف، وأيضا دورا؛ لأن اللفظ مأخوذ من:

Revolution

التي تعني ثورة وتعني أيضا إتمام دورة كاملة، مثلا دورة الجرم السماوي في مداره. ولنلاحظ أواصر القربى الفيلولوجية بين ثورة:

Revolution

و«نماء أو تطور:

Evolution »، وبهذا نجد مصطلح الثورة لا يجعل الرفض هياجا مفاجئا، بل هو تقدم مكثف شديد الفاعلية، وهو بدء دورة جديدة لانتهاء الدورة السابقة، وهو انتقال جذري إلى مرحلة أعلى آن أوانها لانتهاء المرحلة السابقة واستنفاد مقتضياتها، هذا هو المنشود والذي نريده مستفيدا من القطيعة المعرفية، بل مسلحا بها.

في خلاصة ما سبق، في جدلية الاستيعاب/التجاوز والانفصال/الاتصال، المفضية إلى مركب شامل يؤذن بقطيعة معرفية، وهي مصطلح صيغ في فلسفة العلوم الطبيعية لتنظير تقدمها المتفجر ... في هذا تكمن الإجابة على التساؤل بشأن وضع الطبيعيات في علم الكلام السائر نحو المستقبل.

ولكن من زاوية الاستيعاب والاتصال، ماذا - قبلا - عن الطبيعيات في علم الكلام الآتي من الماضي؟

الفصل الثالث

| الطبيعيات: من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس

(1) الطبيعيات ... هي العالم الحادث

ستظل الطبيعيات هي الوسط المتعين للإنسان والمستوى الأولي المبدئي ... مهما كان الإباء أو اللهاث لشد الرحال إلى مستويات أعلى للوجود أو للمعرفة، للواقع أو للفكر، يظل التنظير للمستوى الأولي - الطبيعيات - لا فكاك منه البتة.

فكانت الطبيعيات وستظل دائما في كل عصر ومصر، في كل زمان ومكان، محورا من محاور النشاط العقلي، وطبعا اختلفت - وتختلف الآن أكثر وأكثر - حصائل هذا النشاط بدرجات متفاوتة أيما تفاوت. ويظل لزاما على كل مفكرين أو منظرين أو فلاسفة الإلمام بمستوى المعارف الطبيعية كما هي مطروحة في عصرهم والمصادرة على هذا المستوى في تنظيراتهم، ولا ولم يستثن علماء الكلام من هذا، حتى إن أبا عمرو الجاحظ (255ه) - وهو من رواد النزعة الطبيعية في علم الكلام الاعتزالي ومن المعالم البارزة في الثقافة العربية بجملتها - لم يفته التأكيد على أن العالم الحق يجب أن يضم إلى دراسة الكلام دراسة العلم الطبيعي، وكان هو نفسه «يصف في كل شيء أفاعل الطبيعة - وقد غلب النظر في الفلسفة الطبيعية على المعتزلين الأولين.»

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبلص ١٨