تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

وكانت المشكلة المحورية للطبيعيات الكلامية هي العلاقة بين الله وبين العالمين أو العالم أو الطبيعة التي اتخذت مبدئيا شكل الإيجاد والخلق من العدم، إحداث المحدث: هذا العالم.

وظل دليل الحدوث دائما إطار الطبيعيات الكلامية ككل وكأجزاء، مبررها وتسويغها، مما جعل الإلهيات هي النهاية ... المتجه والهدف والغاية مثلما كانت قبلا هي البداية المنطلق وزخم الدفع، في دائرة مغلقة من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس.

وفي هذا، في الطبيعيات لا سواها، نستنطق الفحوى الجوهري أو الثابت البنيوي في علم الكلام القديم بأسره، إنها «وحدة الأساس الذي يقوم عليه بنية كل من الفكرين المعتزلي والأشعري»

7

على السواء، بل وكل ما سواهما؛ فقد قامت الطبيعيات الكلامية على دليل الحدوث الذي لا يعدو أن يكون عملية قياس الغائب (= الإلهيات أو عالم الغيب) على الشاهد (= الطبيعيات أو عالم الشهادة)، وكما أشار حسن حنفي، قياس الغائب على الشاهد الذي يبدو مستعارا من علم أصول الفقه هو أساس الفكر الإلهي أو الثيولوجي كله،

8

وهو محاولات أولى تكشف عن بزوغ العقل من خلال الإيمان وعن تجاوز المشاهدة الحسية والتجربة المباشرة بعد استيعابها إلى التحليل العقلي الصرف،

9

فدليل الحدوث تجريبي يستند إلى المشاهدة ثم ينتقل من الواقع المحسوس إلى الفكر. •••

وفي تحليل بنيوي ثاقب لهذا يقف على آلية إنتاج المعرفة في العقل العربي - ويمكن أن يفيد في تعليل ما دأب عليه العقل العربي من ربط الإبستمولوجي بالأنطولوجي، ورد الطبيعيات إلى الأنطولوجيا دونا عن الإبستمولوجيا - نقول: في تحليل بنيوي لهذا يرى عابد الجابري أن عناصر المعقول الديني العربي ثلاثة: الوحدانية والنبوة ووجوب معرفة الله من خلال تأمل الكون.

10

فقد كان الكون أو العالم ونظامه من ناحية، والقرآن وبيانه من الناحية الأخرى، هما العنصران الرئيسيان في الإطار المرجعي الذي يستند إليه العقل الإسلامي في صراعه مع اللاعقل، أي مع المشركين.

11

حيث كان غرض المتكلمين الأول هو إبطال مذاهب الخصوم؛ المانوية المجوسية والمزدكية والبابكية والثنوية وغيرهم، باتخاذ الشاهد (= العالم ونظامه) أصلا للتدليل على الغائب (= العقائد).

وهذه عقلية بيانية؛ أي إن آليتها أو أداتها لإنتاج المعرفة هي البيان الذي هو أصلا آلية لغوية، هي آلية التشبيه التي تؤسس البلاغة العربية. إن علوم اللغة والبلاغة لها ريادتها المعروفة للعقل العربي بحكم لغوية الحدث القرآني، إنه بيان.

وقد تكون العقل العربي في العصر العباسي الأول - عصر التدوين - من خلال تشييده لعلوم البيان، وأعلاها تقعيده لقواعد اللغة العربية، وأبدع في هذا إبداعا قل مثيله في تاريخ الفكر البشري،

12

واحتل أوسع رقعة في الثقافة العربية.

يطلب الجابري على هذه المرحلة، وهي التي شهدت نشأة ثم ازدهار علم الكلام، اسم مرحلة العقل البياني؛ لأن الخطاب العربي فيها يؤسسه فعل عقلي واحد؛ أي آلية ذهنية واحدة قوامها ربط أصل بفرع لمناسبة بينهما: إنه القياس بتعبير النحاة والفقهاء، أو هو استدلال بالشاهد على الغائب بتعبير المتكلمين؛ لذا أسماه الجابري النظام المعرفي البياني، يتلوه المرحلة أو النظام المعرفي البرهاني (= الحكمة) حيث المعقول الأرسطي، ثم النظام المعرفي (= سيادة الأشعرية والتصوف) حيث الغنوصيات المشرقية.

ويهمنا الآن أن هذه الآلية البيانية أو قياس الغائب على الشاهد أو دليل الحدوث هو صلب الطبيعيات وهيكلها، والذي جعلها تدور في دائرة مغلقة من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا ... وبالعكس ... هذه الدائرة المغلقة حالت دون نماء بذور واعدة احتواها تصور أسلافنا للطبيعيات. على أية حال بدأ هذا التصور بدليل الحدوث الذي شق طريقه ورسم مساره وحدد معالمه. •••

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبلص ٢٠