تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

فهو ليس استمرارا لأساليب الإضاءة الماضية التي تقوم على الاشتعال والاحتراق، بل قطيعة لكل هذه الأساليب لحد الشروع في مرحلة تعتمد الإضاءة فيها على الحيلولة دون أي اشتعال أو احتراق ... فهي خلق وإبداع جديد تماما؛ إنها الجدة.

الجدة العلمية

Scientific Novelty

هنا بأدق معاني العلم والعلمية، ويمكن مبدئيا قصر هذا المعنى على الطبيعيات الحديثة ... على العلوم الفيزيوكيميائية. ها هنا لا تأتي الجدة العلمية إلا عن طريق التكذيب، سلب الخطأ، الصراع مع القديم ورفضه، هكذا تحدث التحولات الأساسية التي تطرأ على «العلم» عندما يعيد النظر في مفاهيمه الكبرى، مما يجعل البنية الإبستمولوجية لفرضية علمية مختلفة تماما عن بنية الفرضية التالية لها في تاريخ العلم في جدليات ناشطة حقا.

8

إن الفكر العلمي فكر قلق، يبحث عن فرص جدلية ليخرج من ذاته ويكسر أطره الخاصة، وقوام البنية العلمية ليس بالتراكم، ليس لكتلة المعارف العلمية تلك الأهمية الوظيفية المفترضة.

9

لكن باشلار الذي لا يعبأ كثيرا بالمنطق، ويطلق رؤاه النافذة لظاهرة العلم الحديث كشاعر ملهم، ينجح أحيانا فيرفض فكرة الاتصال في فلسفة العلم وتاريخه، ويركز على الجانب الانفصالي تركيزا بلغ حدا يخل بجدليته المكينة التي تحيط بجانب الاتصال/الانفصال. والحق أن عامل الاتصال واستمرارية التاريخ العلمي له أهمية في فلسفة العلم،

10

وليس من السهل رفضه تماما على طريقة باشلار.

وباشلار على أية حال من أساطين فلسفة العلم المعاصر، وقد خلق مفهوم «القطيعة المعرفية»؛ ليكون من أهم مفاهيم فلسفته الخصبة الثرية للعلم؛ إذ استطاع عن طريقه أن يبلور تقدم العلوم الطبيعية، من حيث هو سلسلة من الثورات؛ لذلك فالقطيعة عند باشلار تناظر تحطيم العلم الثوري للنموذج القياسي «البراديم

Paradigm » عند توماس كون

T. Kuhn

في بنية الثورات العلمية، وتناظر تكذيب النظرية التفسيرية المقبولة عند كارل بوير في منطق الكشف العلمي، إنها تسير إلى أقصى مدى بالنظرية الثورية في تفسير طبيعة التقدم العلمي، كتمثيل عيني لتقدم الجهد العقلي في متصل صاعد دوما، متصل/منفصل تبرز قدرة الفكر الجدلي على التنظير للثورة - أي ثورة علمية وغير علمية، أو ليس رفضا - نقضا ونفيا لواقع قائم - لقضية مثبتة.

11

وأيضا كشأن تحطيم النموذج القياسي عند كوني، ومنطق التكذيب البوبري، نجد جدلية القطيعة المعرفية، تعبيرا عن روح وحصائل ثورة العلم المعاصر في القرن العشرين، ثورة النسبية والكمومية

Quantum

التي قوضت عالم نيوتن الميكانيكي الآلي، عالم الفيزياء الكلاسيكية: فكانت القطيعة المعرفية «رفضا للاتصال الميكانيكي والمفهوم التراكمي»

12

لتقدم العلم ونمو المعارف العلمية، وكأن الأمر مكتبة متنامية باستمرار

13

بتعبير كارل بوبر إمام الرافضين لمفهوم التراكم المعرفي، أو حتى مخزن بضائع متزايدة، وليس ملحمة صراع ضار ونبيل، تجتاز عقبات لا تنتهي.

إن المعرفة العلمية - كما أوضح باشلار - تسير دائما عبر عقبات وقهرها. يتحقق الانتصار على العقبة بتصحيح الأخطاء ورفض مواطنها - تكذيب النظرية المقبولة بتعبير بوبر - والانتقال الكلي إلى عقبة جديدة، قطيعة معرفية، والانتقال إلى إنجاز جديد وقهر عقبة جديدة ثم قطيعة أخرى، وانتقال آخر وإنجاز آخر وقهر عقبة أخرى ... وهكذا دواليك في متوالية التقدم العلمي الذي لا يتوقف أبدا.

وتكتسب «العقبة» دورا محوريا في خلق قصة التقدم العلمي بهذا التلاحم بينها وبين «القطيعة». العقبة أو العائق أو أزمة النمو العلمي «تتضمن إعادة نظر كلية في منظومة المعرفة.»

14

حتى يعرض باشلار لتكوين العقل العلمي عبر السلسلة من العقبات. إن وجود العقبة أو العائق يؤذن دائما بتحول جديد في المعرفة، يعني قطيعة بالنسبة للمعرفة السابقة.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبلص ١٣