وهي تدمر الدين حين تنفي عنه الديناميكية والحياة والقدرة على التواصل والاستمرارية، وبالتالي إمكانية أن يؤدي المهام المنوطة به حين تختلف الأزمنة والأمكنة، هكذا تنتهي الصياغة السلفية المتطرفة إلى تدمير، أو على الأقل استلاب الحياة والفعالية من الدين ومن الواقع على السواء.
كان لا بد أن يكون هذا هو مآل الصياغة السلفية ما دامت تنطلق من التسليم باغتراب الواقع الراهن عن الدين، واغتراب الدين عنه، كوضع منته لا مخرج منه إلا النفي، نفي الواقع بالسلب واللا والتكفير والهجرة منه، أو نفي الدين إلى عوالم أخرى ماضوية، يتصورونها أكثر حضورا من أي حاضر، فتنتهي الحركة السلفية من حيث بدأت: واقع راهن متأزم ودين مغترب عنه.
ولا غرو، فالدوران المنطقي واللف في المتاهات المغلقة هو مآل كل من ينفصل عن الواقع الراهن، محاولا أن ينفيه وهو غير قابل للنفي، أو يعجز عن التعامل معه، وهو تعامل لا مندوحة عنه. •••
وإذا كان هذا هو مآل التوجه الذي يتصاعد الآن كثيفا وبيلا، فإن علم الكلام الجديد ينطلق نحو المستقبل، بحركة جدلية من ذينك الطرفين : الدين/التراث والواقع/الأزمة، ولكن ليس بما يدمر أحدهما أو كليهما، أو يفر منهما كدأب السلفية، بل انطلاقة بما يشبه المركب الجدلي الذي يستوعب كلا الطرفين ويتجاوزهما إلى المركب الشامل المنشود الذي يفضي بدوره إلى مرحلة جديدة.
من هنا طرحت جدلية الاستيعاب والتجاوز كأداة تمهيدية فعالة في يد علم الكلام تساهم في شق الطريق وتعبيده، وحين تصل إلى مركبها الجدلي ستتضح أهميتها، بل ضروريتها في انضباط وضع الطبيعيات بمنظومة علم الكلام الجديد الذي نرومه سائرا نحو المستقبل.
المهم الآن أنه في هذا الطريق السائر قدما - على عكس اتجاه الطريق اليميني السالف - لن نجد علاقة حاضر علم الكلام بماضيه علاقة اتصال سلبي، تجعل الماضي فاعلا والحاضر مفعولا فيه أو به، والأقدمين أوصياء علينا وكلاء عنا في الفعل والإنجاز والتشييد، ومحاولات الإجابة عن تساؤلات عصرنا الملحة التي لم يطرحها عصرهم، ولعلها لم تدر بخلدهم، وهي أيضا - بطبيعة الحال - ليست علاقة انفصال بائن تجعل الحاضر منبت الجذور، وكأنه نبتة شيطانية نشأت عن فراغ. إنها جدلية الانفصال/الاتصال التي تؤذن بالمركب الشامل، والمرحلة الجدلية الجديدة، ودورة حضارية أخرى هي مرحلتنا المعاصرة، التي ننشدها منطلقة نحو المستقبل. (2) القطيعة المعرفية ... آلية مستقبلية
هكذا تتشابك جدليتا «الاستيعاب/التجاوز» و«الانفصال/الاتصال» لتمثلا الأداة التمهيدية الفعالة في يد علم الكلام، القادرة حقا على أن تشق به طريقا جديدا نحو المستقبل.
وفيما يختص بوضع الطبيعيات تصبح تلك الأداة الفعالة سلاحا ماضيا أو آلية ناجزة قادرة على الحسم والإنجاز والإضافة؛ إذ يبلغ علم الكلام بهما؛ بهاتين الجدليتين مركبهما الشامل الذي يعني وضع «القطيعة المعرفية». وما دمنا قد ناهزنا حدود الطبيعيات فمن الضروري أن نجيب على التساؤل: ما القطيعة المعرفية؟ ومن الملائم أن تأتي الإجابة الآن في هذا السياق الجدلي.
فالقطيعة المعرفية
La rupture Epistemologique
ترتبط بالحركة الجدلية ارتباطا عضويا، هكذا يكشف عنها مبتدعها جاستون باشلار
G. Bachelard (1884-1962) شيخ فلاسفة العلم في فرنسا، الذي وضعها في إطار فلسفته الجدلية ... كمركب جدلي ... من الحضور والغياب ... من الإثبات والنفي ... من الاتصال والانفصال؛ لتكون ثمة إضافة كيفية حقا لنسق علمي تنتسب إليه، وليست مجرد إضافة كمية. إنها ترتكز في أصولها إلى قانون الجدل الشهير: تراكمات كمية تؤذن بنوع من القطع الكيفي.
وتعني القطيعة المعرفية أن التقدم العلمي مبني على أساس قطع الصلة بالماضي، ليس بمعنى نفيه وإنكاره، أو التنكر له، فذلك غير وارد في التقدم العلمي، الذي يمتاز عن أي تقدم آخر في حضارة البشر بأنه ليس أفقيا، بل رأسيا، يرتفع طابقا فوق طابق، فلا يرى نيوتن - كما أكد هو نفسه - أبعد من سابقيه إلا لأنه يقف على أكتافهم ... القطيعة تعني أن الحاضر لا يعود مجرد تواصل ميكانيكي أو استمرار تراكمي لمسار الماضي، أو تعديل أو إضافة كمية له، بل يعني التقدم شق طريق جديد لم يتراء للقدامى ولم يرد لهم بحال، بحكم حدودهم المعرفية الأسبق، وبالتالي الأضيق والأكثر قصورا، والمثال الأثير لباشلار «المصباح الكهربائي»؛