القطيعة المعرفية هي التجاوز النشط المسئول للماضي، فالمبدع الخلاق للحاضر، فلا تعود اللحظة تكرارا كميا للتاريخ، بل هي عمل دءوب - إنجاز لحداثة بل الجدة - وعن طريقها يؤكد الإبداع العلمي حدس اللحظة التي تمثل حقيقة الزمان، من حيث هي الكائنة وبين غير الكائنتين: الماضي والمستقبل، وتغدو الشجاعة الذهنية في المحافظة على لحظة المعرفة نشيطة حية، «وأن نجعل منها منبعا لحدسنا متدفقا دوما، وأن نرسم انطلاقا من التاريخ الذاتي لأخطائنا النموذج الموضوعي لحياة تكون أفضل وأوضح.»
15 (3) القطيعة بين الإبستمولوجيا والأيديولوجيا
هكذا نجد مفهوم القطيعة المعرفية لم يتخلق إلا في رحاب فلسفة العلوم، بل فلسفة العلوم الطبيعية بالذات، ولم يصغه إلا جاستون باشلار، فقط في القرن العشرين، استخدمها الماركسي الفرنسي المجدد والبنيوي الثائر لوي ألتوسير استخداما موسعا في قراءته البنيوية للاشتراكية العلمية، أو محاولة صياغة تخطيط لهيكل الماركسية الثابت ووضعها بين الأيديولوجيا وبين العلم، لتتخلص من الأولى وتبقى علما عن طريق «القطيعة المعرفية»، فقامت القطيعة مع ألتوسير بدور جوهري للخلاص من تشويهات الأيديولوجيا للعلم، وهذه قضية محورية في الفلسفة الماركسية.
16
وكانت محاولة ألتوسير في هذا دءوبة، حتى إنه ذهب إلى ما وراء الماركسية، وأيضا ما قبل وضعية كونت، وراح يوضح كيف أن مونتسكيو وروسو قد أعاقهما أنهما ظلا ضحية لأيديولوجية الطبقة والعصر، ولولاها لتمكنا من إحراز مشروع العلم السياسي بنجاح أكبر.
17
اختلف ألتوسير عن لينين وجورج لوكاتش (1891-1937)، في تأكيده أن الأيديولوجيا ليست مجرد الوعي الطبقي أو الاجتماعي، بل هي - كما سبق أن أشار ماركس - نقيضة العلم، لكنه اختلف مع ماركس أيضا بإضافة أن المعرفة تبدأ من الأيديولوجيا، ثم يتعين التخلص منها وإحلال العلم محلها فيما أسماه بالقطيعة المعرفية. هكذا كانت القطيعة لإفساح الطريق أمام العلم، وأمام الاشتراكية العلمية، وكان هذا الاستخدام إيذانا بنمو المفهوم، أو تمثيلا لخروجه من أعطاف فلسفة العلوم الطبيعية ومن قلب صيرورة البحث العلمي، ليعم ويسود بعد ذلك ويصبح بمثابة «موضة شائعة» في كل مجالات الفكر والأدب والفن أيضا، وقد عبر عنها الأدب تعبيرا رديئا بات قولا مأثورا هو: «انظر وراءك في غضب.»
وكان ألتوسير قد برع في استخدام «القطيعة» لتفسير تطور الفكر الماركسي ذاته ونشأة المادية التاريخية، كما استخدمها ميشيل فوكوه للفصل بين الحقب المعرفية، لقد تحررت القطيعة من ارتباطها بتطور العلم الطبيعي البحت.
ولعل ما يميز التجربة الأوروبية الحديثة حقا أن العلم فيها هو الذي قاد التحول الحضاري؛ أي إن الإبستمولوجي هو الذي أخضع الأيديولوجي، وأصبحت حضارة تقنية، تعملقت فيها قيم العلم تعملقا بات يمثل خطورة هددت أبعادا حضارية أخرى تهديدا وبيلا، وبالتالي تسللت كثرة من مفاهيم العلم وفلسفته إلى الحضارة وفلسفتها، بل إلى الواقع الحضاري ذاته، وأحكمت قبضتها عليه. وقد تسلل مفهوم القطيعة هو الآخر، وأبدى فعالية جمة ومطابقة في تفسير الحضارة الأوروبية، وتجربة الحداثة فيها، وعلى يد كثير من المفكرين والباحثين الغربيين، نذكر منهم أخيرا إميل بولا
18
لقد أصبحت القطيعة توصيفا لتجربة الوعي الأوروبي، حين خرج من العصور الوسطى ملتجئا إلى الطبيعة، بوصفها طريقا للمعرفة، فقطع نفسه عن الماضي الذي اعتبر الكتاب المقدس طريقا للمعرفة؛ هكذا أصبحت القطيعة عنوانا للأيديولوجيا الغربية الحديثة.
لكن المفهوم أولا وقبل كل شيء من مفاهيم فلسفة العلوم الطبيعية، آلية من آليات العقل العلمي، كما أوضحنا. لم يعرف ولم يتبلور إلا بعد تطورات العلم الأخيرة، وعلى وجه التعيين ثورته العظمى في مطالع القرن العشرين، ثورة النسبية والكمومية (الكوانتم) التي أحدثت قطيعة معرفية مع مثاليات الفيزياء الكلاسيكية النيوتونية كالحتمية والعلية والضرورة واليقين ... بعد أن كان يظن أن هذه المثاليات تأطير لكشف حقيقة الكون، لم يبق إلا رتوش لكي تكتمل الصورة النهائية للعلم الكامل بمطلق الوجود الطبيعي، بل وأيضا الحيوي والإنساني.