أما تلك المطابقة الخاطئة بين الإسلام وتراثه، بين العقائد وتنظيرها؛ أي كلامها في مرحلة تاريخية معينة، فتضر بالإسلام قبل سواه؛ لأنها تفترض فيه تحجرا عند مرحلة أسبق، تحجرا زائفا لا يوجد إلا في عقولهم؛ فالدين رسالة ... مسئولية أبت أن تحملها السماوات والأرض وحملها الإنسان ... إنه إيجابية؛ أي عمران ونماء وتطور.
وهم بهذا المفهوم المتحجر للدين والتراث، يصرون على أن التراث حاضر اليوم وفاعل، أو ينبغي أن يكون هكذا، «وأن الحضور والفعل اللذين له مستمدان من استمرار الماضي في الحاضر، استمرار الجوهر في تجلياته، وأن الزمان والفعل ما هو إلا عنصر خارجي ويسجل لحظات لا كيفية فيها ولا في تتابعها.»
3
وهذه رومانطيقية مجردة،
4
رومانطيقية اللياذ بالعوالم الذاتية المنفصلة عن العالم الموضوعي المشترك بين الذوات أجمعين، رومانطيقية العجز عن الفكر وعن الفعل، رومانطيقية التضاد مع العقلانية، وبالتالي هي ضد التنوير، بل إنها على وجه التعيين هي الإظلام؛ فالإظلام هو تغييب الواقع، فلا يعود التراث والدين أفيونا للشعوب لأنه مخدر لها بأفكار أخروية ووعود سماوية فحسب، بل أيضا وأساسا؛ لأنه اغتصاب للواقع وتغييب للآن، وإلغاء للزمان برمته، وبالتالي نفي لفكرة التقدم.
بل إنهم يفعلون بفكرة التقدم ما هو أكثر من النفي؛ إذ يعكسونه، يجعلون التقدم قهقريا، مما يجعل التاريخ يتساقط من واقع خارج الزمان ينفي الحركة ويئد التطور ويلغي التقدم. إنهم ينطلقون من مقدمة تسلم بأن ذروة التقدم كائنة في الماضي، مستعينين بالحديث الشريف: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ...» وقد تشكك فيه ابن حزم وآخرون. هم يفضلون القرون الأربعة الأولى، وربما القرن الأول فقط، وكلما سرنا قدما مع مسار التاريخ سرنا طرديا مع سقوط مستمر وانهيار تدريجي ومتوال لتلك الذروة التقدمية، حتى نصل إلى عصرنا الحالي، فنصل إلى أدنى درجات الانهيار، وكل عصر آت درجة أدنى من الانهيار؛ ليكون تقدم التاريخ قد أصبح انهيارا تاما وسقوطا شاملا، فيصبح التقدم الحقيقي هو التقدم القهقرى؛ الرجوع إلى الوراء، واللحاق بالعصر الذي ولى وفات.
من هنا كان محور هذه النزعة السلفية يكمن في اعتبار اللحظة الماضية المنطلق الأنطولوجي والإبستمولوجي، وليس فقط الأكسيولوجي، منطلق الحلول للحاضر والمستقبل. وكما أشار طيب تيزيني: «إن الماضي يبرزها هنا، على هذا النحو مبتدأ وخبرا، منطلقا ونهاية، لكل فعالية إنسانية لاحقة، إنه، بتعبير آخر، المخول القادر أصلا على إكساب كل فعالية إنسانية - مهما كانت أبعادها ومواصفاتها - اعتبارها ومشروعيتها في الوجود. وإذا كان الأمر كذلك؛ فإن الماضوية تبرز عنصرا مكونا للنزعة السلفية.»
5
وقد نوه تيزني إلى أن الماضوية التي ترفض الحاضر فضلا من المستقبل تقف في مربع واحد مع الأسطورة التي ترفض التاريخ بأسره؛ فالأسطورة دائما فوق التاريخ، و«اللاتاريخية هي الأساس المكين للنزعة السلفية»؛
6
فتغض النظر وتصم الآذان عن كل المتغيرات.
لهذا انبثقت الصياغة السلفية عن كراهية الحاضر ونفور منه، وعجز عن التعامل معه، حتى شكلها الحنين الدافق والهيام الرومانطيقي المشبوب بالماضي فتلوذ بعوالمه المنفصلة عن العصر، متوهمة إحياء الدين في الواقع، وإحياء الواقع بالدين، وهي في حقيقة الأمر تنطوي على قرني إحراج يدمر الطرفين معا؛ فهي تدمر الواقع حين تنفيه، أو تتصور إمكانية نفيه، بكل زخمه الحضاري، وكل إشكالياته المتعينة ونواتجها غير المتوقعة وظروفه المتولدة والمولدة لحيثيات أخرى، وكل إنجازاته وعثراته وتحدياته المستجدة، وتفر إلى واقع انتهى منذ قرون طويلة خلت، ولم يعد له وجود إلا من حيث تمخض عن تراث قابل للاستيعاب والتجاوز، والتعامل الخلاق مع تخلق حيثيات حضارية جديدة.