تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22

فهو ليس استمرارا لأساليب الإضاءة الماضية التي تقوم على الاشتعال والاحتراق، بل قطيعة لكل هذه الأساليب لحد الشروع في مرحلة تعتمد الإضاءة فيها على الحيلولة دون أي اشتعال أو احتراق، فهي خلق وإبداع جديد تماما.

القطيعة المعرفية هي التجاوز النشط المسئول للماضي، فالمبدع الخلاق للحاضر، فلا تعود اللحظة تكرارا كميا للتاريخ، بل هي عمل دءوب، هي إنجاز - إنجاز للحداثة. وعن طريقها يؤكد الإبداع العلمي حدس اللحظة التي تمثل حقيقة الزمان، من حيث هي الكائنة، وبين غير الكائنين: الماضي والمستقبل. وتغدو الشجاعة الذهنية في المحافظة على لحظة المعرفة نشيطة حية «وأن نجعل منها منبعا لحدسنا، متدفقا دوما، وأن نرسم انطلاقا من التاريخ الذاتي لأخطائنا النموذج الموضوعي لحياة تكون أفضل وأوضح».

23

ولا يفوتنا في هذا الصدد الإشارة إلى نظرية توماس كون

Thomas Kuhn

فهو من أهم من عنوا بتفسير التقدم العلمي، وطرح في كتابه الشهير «بنية الثورات العلمية» نظرية «تتضمن عناصر من كل من النظريتين الثورية والجدلية»،

24

ولكن ليس على طريقة باشلار؛ حيث تسخر الجدلية فقط لخدمة الثورية، بل ولإذكائها. أما نظرية كون فهي - إن صح التعبير - ثورية، لكن متهاودة إلى حد ما. إذ تقوم على التمييز في تقدم العلم بين العلم العادي

Normal Science

وبين المراحل الثورية في هذا التقدم.

25

تقدم العلم العادي يحدث داخل إطار النموذج القياسي للعلم

Scientific Paradigm

الذي يقبله المجتمع العلمي بوصفه بناء علمنا اليوم، فهو الإنجازات العلمية المقبولة بصفة عامة، والتي تزود جمهرة المشتغلين بالعلم بأنماط المشاكل وحلولها، تقدم العلم العادي يسير داخل إطار هذا النموذج. فالعلم العادي لا يبدأ عمله بالبحث في النظرية الأساسية للنسق العلمي، أو محاولة الثورة عليها، كما أنه لا يهتم باختبارها، وظهور مثال معارض لا يعامل مباشرة كتفنيد للنسق - كما يوضح جون ويزدم الفيلسوف التحليلي الكبير - فربما عالجناه بفرض مساعد

Auxiliary Hypothesis .

26

إذن فنمو العلم العادي يسير من خلال التنقيح المعرفي المستمر لمحتوى نظريات أقل عمومية، أو حسابات دقيقة وتنبؤات، وأيضا من خلال عملية تنقيح الإضافات التي تلحق بالنسق، وتنقيح تطبيقاته. وعملية التنقيح هذه تأخذ طابع حل المتاهات

Solving Puzzle . وخلال حلها تثار مشاكل جديدة في حاجة للحل. بعبارة أخرى: العلم العادي هو حل المتاهات، من خلال تلقيح وتنقيح النظريات الموجودة بالفعل.

27

وكل هذا داخل إطار النموذج القياسي للبناء العلمي. وقد استعمل كون مفهوم المستويات المختلفة للعمومية، وميز على وجه الخصوص بين النماذج القياسية الميتافيزيقية وهي النظرة العامة

Outlook

والنماذج القياسية السوسيولوجية - كمجموعة العادات العلمية - وبين النموذج القياسي المصطنع أو المشيد لحل المشاكل العلمية، المهم أن العلم العادي ينمو داخل إطار النموذج القياسي، بيد أن الفرض المتطور فيه يتحول من «ل» إلى «لا - ل»: «ل ← ل». أما في مرحلة العلم الثوري، فإن الإطار نفسه يتحطم، ويحل محله نموذج قياسي ذو أطر مختلفة. فيتحول الفرض من «ل ← د»

28

إذن ما يميز العلم الثوري عن العلم العادي، هو أن الأخير يتحرك داخل النموذج القياسي. بينما الأول يحطمه، ويحل محله نموذج آخر، يمثل العلائم البارزة في تاريخ العلم.

هكذا نلاحظ أن توماس كون يتمسك بنظرية ثورية معدلة، أو مخففة إلى حد ما، مقارنة بالنظرية الثورية الجذرية المعتمدة في هذا البحث، والتي رأيناها - مثلا - مع جاستون باشلار، وسوف نراها أعمق مع كارل بوبر، وثلاثتهم - بوبر وباشلار وكون - أساطين فلسفة العلم، لا سيما في النصف الثاني من القرن العشرين، وعلى وجه التعيين الربع الثالث منه، وفلسفة العلم - لأنها الوجه الآخر لمنطقه - لا تسمح كثيرا بالتناقضات الحادة في وجهات النظر، التي تترعرع في فروع الفلسفة الأخرى. والحق أنه لا تناقض حادا أو لا تناقض البتة بين الرأي الثوري الجذري، الفلسفي مع باشلار والمنطقي مع بوبر، أو مع سواهما، وبين الرأي الثوري المعدل مع كون.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ٩