13
والبنية الإبستمولوجية لفرضية علمية مختلفة تماما عن بنية الفرضية التالية لها في تاريخ العلم في «جدليات ناشطة حقا».
14
والفيلسوف الذي يتبع بالتفصيل حياة الفكر العلمي سيدرك التزويجات غير المألوفة بين اللزوم والجدلية؛
15
لذلك كان مصطلح الجدل (الديالكتيك) الذي يعبر عن عدم اتصال المعرفة والانتقال من القضية إلى سلبها، شديد الشيوع في أعمال باشلار، ويحتل عناوين فرعية جمة. وفي عام 1951 أخرج كتابه «جدلية الزمان
La Dialectique De La Duree » «له ترجمة عربية».
على أساس الصراع مع الخطأ، السلب والجدلية، والاتصال. يتضح لنا عمومية التصور الثوري. ويغدو التقدم العلمي مرهونا بحدوسات جريئة تمثل بدورها قفزات ثورية، تعقبها أفكار تصحح أفكارا، فروح العلم هي تصحيح المعرفة، وتوسيع نطاقها، أو ما أسميناه منطق التصحيح الذاتي. وهذا الأفق من الأفكار المصححة هو ما يميز الفكر العلمي،
16
وكل هذا يعني أن الفكر العلمي فكر قلق، فكر يترقب الشيء، يبحث عن فرص جدلية ليخرج من ذاته، وليكسر أطره الخاصة، إنه الفكر الذي يسير على درب الموضوعية، ومثل هذا الفكر لهو الفكر المبدع.
17
هكذا يؤكد باشلار عمومية الثورة، فيقول: «تتضمن أزمات النمو الفكري إعادة نظر كلية في منظومة المعرفة.»
18
وأيضا على عمقها فيقول: «إن الإنسان يصبح بواسطة الثورات الروحية التي يستلزمها الإبداع العلمي جنسا مغايرا.»
19
فهي تؤثر تأثيرا عميقا في بنية العقل المتجددة دوما «وحتى الثورات المتصلة بمفهوم واحد تواكب في الزمان ثورات عامة ذات تأثير عميق في تاريخ الفكر العلمي»،
20
وكل شيء يمضي جنبا إلى جنب، المفاهيم وإنشاء المفاهيم «فليس الأمر مجرد كلمات يتبدل معناها، بينما يظل الترابط ثابتا، كما أنه ليس أمر ترابط متحرك حر قد يفوز دائما بالكلمات ذاتها التي يترتب عليه أن ينظمها.»
إن العلاقات النظرية بين المفاهيم تبدل تعريفها كما يبدل تغير المفاهيم علاقاتها المتبادلة. وليس يهتم باشلار كثيرا بالصياغات المنطقية، بل بالأحرى بما أسماه «نفسانية المعرفة»؛ لأنه فيلسوف أولا وأخيرا وليس منطقيا، ولكن يمكننا أن نعبر عن هذا تعبيرا منطقيا، فنقول: إن الفكر لا بد حتما أن تتبدل صورته؛ إذ ما تبدل مضمونه.
فينفي باشلار أي سكونية تراكمية عن نمو المعرفة العلمية. فالمعرفة التي تبدو ثابتة تجعلنا نؤمن باستمرارية الأشكال العقلية وثباتها، واستحالة قيام أي طريقة جديدة للفكر. في حين أن قوام البنية العلمية ليس بالتراكم، وليس لكتلة المعارف العلمية تلك الأهمية الوظيفية المفترضة. فإذا قبلنا حقا أن الفكر العلمي في جوهره يعني إنشاء الموضوعية، وجب استخلاص أن مستنداته الحقيقية هي التصحيحات وتوسيعات الشمولية. وعلى هذا النحو تتم كتابة التاريخ الحركي للفكر. فالمفهوم يحظى بمعنى أكبر في تلك اللحظة بالذات، التي يغير فيها معناه، وإذ ذاك تصبح حدثا من أحداث إنشاء المفاهيم.
21
ويمكننا أخيرا - وعلى ضوء ما سبق - التوقف عند فكرة جوهرية أبدعها باشلار في إطار فلسفته الجدلية الرافضة للاتصال، لتلعب فيها دورا محوريا، بحيث تناظر تكذيب النظرية المقبولة عند كارل بوبر، وتحطيم النموذج القياسي عند كون، وتكون من أقوى تجسيدات النظرية الثورية، وأعتى رفض للنظرية التراكمية، ألا وهي «فكرة القطيعة المعرفية
La Ruptare Epistemologique » التي تكاد تكون تلخيصا لما سبق من خطوط فلسفة باشلار، ولكنها خرجت من أعطاف فلسفته، بل ومن حدود فلسفة العلم بأسرها، وشاعت وذاعت وترددت في سائر جنبات الفكر المعاصر، حتى كادت تصبح من معالمه، لا سيما أنها أبدت خصوبة وفاعلية في تفسير التحولات الحضارية.
والقطيعة المعرفية تعني أن التقدم العلمي مبني على أساس قطع الصلة بالماضي، فهو شق طريق جديد لم يتراء للقدامى، ولم يرد لهم بحال، بحكم حدودهم المعرفية الأسبق، ومن ثم الأضيق والأكثر قصورا. والمثال الأثير لباشلار «المصباح الكهربي»