تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كل ما في الأمر كما لاحظ بريان ماجي

Bryan Magee

أن كون يدخل في اعتباره سوسيولوجية العلم وسيكولوجية العالم، وعوامل أخرى يمكن أن نسميها العوامل الخارجية، أما باشلار وبوبر فينصب اهتمامهما على العوامل الداخلية للعلم وبنيته، وبوبر بالذات يقتصر تفكيره على منطق العلم؛ لذلك كانت ثوريته جذرية، ويؤكد أن حالات التقدم الحقيقي «لا نجد فيها شيئا مشتركا، أو خط استمرارية بين النماذج القياسية المختلفة».

29

وبعبارة أخرى، لا يوجد علم عادي وعلم ثوري، كل علم طبيعي هو علم ثوري من حيث هو مطرد التقدم، فقط بدرجات متفاوتة لهذه الثورية.

ولما كان بحثنا هذا مختصا بمنطق العلم - صميم بنيته الداخلية - بات واضحا لماذا نعتمد النظرية الثورية في طبيعة التقدم العلمي.

وعلى أي حال فإن التقدم المطرد للعلوم الطبيعية هو - كما أوضحنا - متصل صاعد، ولكن بحيث يمثل متوالية منطقية. فلا يعني البتة مجرد تراكم كمي رأسي، في مقابل التراكم الكمي الأفقي لبقية مناحي الإبداع الإنساني - كالفنون والآداب والفلسفات والأنظمة ... إلخ - بل يعني تضاعف القوة المنطقية لنظريات النسق العلمي، خصوصا في تصديها للمهمة التفسيرية التي هي تحد لا نهاية له، تمثل وقائع التجريب محكمه النهائي، وفيصل الحكم على مصير الفروض والنظريات العلمية.

من هنا كان العلم الطبيعي في كل حال علما تجريبيا، حتى الفيزياء البحتة دونا عن الفيزياء التجريبية أو المعملية - التي هي نسق فرضي استنباطي - فتبدو من الناحية الصورية أقرب إلى الرياضيات، أو لعلها من ناحية المناهج الإجرائية هكذا فعلا، فإنها - أي الفيزياء البحتة - ومهما روعي فيها الاتساق الرياضي والقوة الاستنباطية للفروض، لا مندوحة لها عن المواجهة مع الواقع، فتلتجئ في النهايات البعيدة إلى وقائع التجريب بشأن الاستنباطات الجزئية العينية القصية - بصفة خاصة التنبؤات - المشتقة من فروضها الأولية، لنحكم على هذا وذاك بواسطة التجريب. إن كل علم هو تجريبي من حيث هو إخباري؛ أي يخبرنا عن الواقع وظواهره.

والهدف من أي علم تجريبي إخباري هو الإجابة عن السؤال: كيف ولماذا تحدث الظاهرة موضوعه؟

المرحلة الأولى من العلم - منطقيا وليس تاريخيا

30 - هي المرحلة الوصفية التي تجيب عن السؤال: كيف تحدث الظاهرة؟ كيف تتبدئ؟ ولكن هذا لا يكفي. فتمهيد الطريق لإحكام السيطرة على الظاهرة فيما يعرف بالتقانة التي ارتهنت بنسق العلم التجريبي الحديث - دونا عن سواه من أنساق جمة أنشأها العقل البشري .

هذا يستلزم الانتقال من المرحلة الوصفية، وبناء عليها إلى المرحلة التالية عليها. وهي المرحلة التفسيرية التي تجيب عن السؤال: لماذا تحدث الظاهرة؟ أما التنبؤ، وهو الغاية النهائية المرومة من العلوم الطبيعية، فليس يفترق عن التفسير، بل هو - أولا - معلم نجاح التفسير، خصوصا الفيزيائي. وهو - ثانيا - يتخذ نفس البناء المنطقي الصوري للتفسير؛ أي الاستنباط. كلاهما يشتمل على: (أ)

شروط مسبقة أو مبدئية. (ب)

تقريرات عامة أو قوانين. (ج)

نتائج مستنبطة من (أ) و(ب).

31

لذلك يذهب بعض فلاسفة العلم أمثال همبل وأوينهايم إلى المطابقة بينهما. وإن كان البعض الآخر يرى التمييز بينهما، على أساس أنه قد يوجد تفسير بغير قدرة تنبؤية. وإن كان بالطبع يستحيل وجود تنبؤ علمي بغير تفسير. إن التفسير هو الإحاطة الحقيقية بالظاهرة، وإذا كان الوصف معيار وجود العلم، أو عدم وجوده معيار إمكانيته، فإن التفسير هو معيار التقدم العلمي؛ إذ يمكن أن تقاس درجة تقدم العلم بمدى توغله في المرحلة التفسيرية، ومدى نجاحه فيها، أو درجة دقة هذا النجاح.

وتبلغ المرحلة التفسيرية اكتمالها المنطقي في النظرية العامة أو البحتة التي تعني الدامغ المعتمد للنسقية العلمية، فهي في حد ذاتها تتخذ صورة النسق الفرضي الاستنباطي، القادر على احتواء ظواهر موضوعه بشتى متغيراتها. •••

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ١٠