9
وهذا المعنى الإشاري المباشر مقصود بعينه، ولكن فيما يختص بالجانب الدلالي الإيحائي، نلاحظ تفاوتا بين لفظة المصطلح الأوروبي
Revolution
وبين المقابل العربي «ثورة». إذ تعود ثورة إلى: ثار الغبار: سطع، وأثاره غيره، وتثويرا: هيجه، وثورانا: هاج. ومنه قيل: فتنة ثارت، وأثارها العدو، وثار الغضب: احتد، وثار إلى الشر: نهض، وثور الشر تثويرا.
10
فنجدها في النهاية مردودة إلى «ثار» بمعنى يفيد هاج وماج، فيأتي الرفض والتغيير الجذري بفعل قوى انفعالية. وليس هذا مقصودا تماما، ولكن في الإنجليزية نجد المصطلح: «ثوري
Revolutionary »، جذري متطرف. وأيضا دوار؛ لأنه مأخوذ من
Revolution
التي تعني ثورة، وتعني أيضا إتمام دورة كاملة (مثلا دورة الجرم السماوي في مداره) ولنلاحظ أواصر القربى الفيلولوجية بين «ثورة
Revolution » وبين «نماء أو تطور
Evolution ». على هذا نجد المصطلح الإنجليزي لا يجعل الرفض هياجا مفاجئا، بل هو تقدم مكثف شديد الفاعلية، وانتقال جذري إلى مرحلة أعلى آن أوانها؛ لانتهاء المرحلة السابقة أو استنفاد مقتضياتها. وهذا هو المقصود على وجه الدقة من القول بالطابع الثري للتقدم العلمي.
وسوف نرى أن هذه النظرية الثورية لتقدم العلوم الطبيعية، والتي هي الضد الصريح لنظرية التراكم الكمي، والتعديل الحق للقول بالتطور العادي، إنما هي النظرة التي يفرضها منطق العلم ذاته، منطق الكيان المطرد التقدم ذي الثورات الحقيقية في تاريخ البشر، ذلك أننا سنلقاها محصلة للخاصة المنطقية المميزة للعلوم الطبيعية. ومن ثم فهي أي: النظرية الثورية - وفي أقوى صورها - هي المعتمدة في كتابنا هذا، المتسقة مع مسلماته وأهدافه، وإنها لنظرة شديدة الحداثة، ولكن قبيل أن ينتصف القرن العشرون، سبق أن بشر بها مؤرخ العلم هربرت بترفيلد.
11
وخلاصة رؤيته هي أنه على قدر ما يمكننا اقتفاء الثورات العلمية بهدى العوامل الخارجية، فالوضع يتمثل في أن العلماء في مرحلة ما يحدثون تغييرا في مخططات تفكيرهم، يرون الأشياء القديمة بطريقة جديدة، ويحاولون التوصل إلى فكرة تمثل مفتاحا (
Key Idea
وهو تعبير بترفيلد المفضل) يفض مغاليق التعثر الطارئ. وحينما يتوصلون إلى فض هذه المغاليق تتدفق الاكتشافات بمنتهى السهولة، ويرفض بترفيلد اعتبار تاريخ العلم تاريخا للأفراد العظام، أو سلسلة من قصص النجاح، أو تراكم الاكتشافات والمعرفة بالوقائع. فذلك لا يعبر البتة عن التناول السليم لتاريخ العلم
12
هذا التاريخ المتقد لا تحيط به إلا الرؤية الباحثة عن ثوراته.
ولعل أشد فلاسفة العلم حرصا على إبراز الطابع الثوري للتقدم العلمي إنما هو باشلار. إذ يرى أن الخطأ الأساسي والأولي، هو الذي يظل مسيطرا على العقل البشري ما لم يعمل هذا العقل على إزاحته عن مواقعه واحدا بعد الآخر بجهد وكفاح وصراع لا يتوقف. فكل حقيقة لا بد أن تكتسب بنوع من النضال والانتصار. وكل معرفة لا بد أن تحارب لكي تحتل مواقع الجهل؛ لذلك فالتقدم في العلم يتم من خلال صراع بين الجديد والقديم. ولا يتحقق إلا بنوع من التطهير الشاق لهذه الأخطاء. المعرفة لا تسير في طريق ميسر معبد مباشرة إلى الحقيقة، بل إن طريقها ملتو متعرج ، تمتزج فيه الحقيقة بالبطلان، ويصارع فيه الصواب الخطأ صراعا مريرا كيما يخلص نفسه منه. وهكذا نلاحظ أن فعل المعرفة في كل حال ينطوي في حد ذاته على ثورة ما، من حيث ينطوي على صراع. يتبلور هذا الصراع في السلب في «اللا» التي أصبحت مقولة لا يستغني عنها العلم المعاصر (لاحتمية، لاتعين، ميكانيكا لانيوتنية، وهندسات لاإقليدية ...) ذلك أن الجدة العلمية لم يعد من الممكن اكتسابها، إلا عن طريق السلب المنظم، الذي يصارع القديم ويرفضه، ويعبر عما يطرأ على العلم من تحولات أساسية، عندما يعيد النظر في مفاهيمه الكبرى، ويراجعها من جديد. ومن ثم يصر باشلار إصرارا على رفض فكرة الاتصال في فلسفة العلوم. فالمعرفة العلمية تتصف أساسا بعدم الاتصال في صورتها أو في مضمونها.