أجل، يمثل العلم الطبيعي متصلا صاعدا، دونا عن شتى مناحي الإبداع الإنساني كالفن والأدب والفكر والفلسفة والأنظمة ... إلخ، التي تنمو في صورة تراكم كمي واتساع أفقي، لا يلغي القديم فيه الجديد، ولا يتجاوزه، ولا يفوقه، بل يقف بجواره. وأن تمثل الإنجازات المتوالية متصلا صاعدا، يقترب دوما من الصواب، متجاوزا مثالب الوضع السابق - أو مواطن كذبه - وباحثا عن مثالب أخرى في وضعه الجديد ليقترب من الأصوب. فذلك هو التعبير المنطقي عما يعرف بمقولة تقديم العلوم الطبيعية. وسوف نرى أن الخاصة المنطقية المميزة للعلوم الطبيعية، والتي تعطي أشمل معالجة لمنطق النظرية العلمية التجريبية، هي في حد ذاتها بلورة لعامل التقدم المتوشج في نسيج العلم الطبيعي. •••
وقد بذلت عدة محاولات فلسفية للوقوف على طبيعة هذا التقدم العلمي المستمر. وبنظرة شاملة يعطينا بوليكاروف أربعة آراء تجمل تصورات تقدم العلوم الطبيعية أو نموها
7
وهي: (أ)
تبعا لتتالي الأحداث الذي لا يحكمه أي اطراد عام، فإنه لا يمكن تفسير تقدم العلوم الطبيعية، يمكن فقط وصفه، وهذا هو تصور الوضعيين المناطقة على الخصوص. (ب)
تقدم العلم يتم كسلسلة من التحولات أو الثورات التي ربما تحدث بغير رابطة داخلية
internal link . هذه هي النظرية الثورية. (ج)
وكنقيض للرأي السابق نجد الرأي التراكمي، الذي يؤكد استمرارية المعرفة العلمية. وهذا رأي شائع بين العلماء وفلاسفة العلم ومؤرخيه الكلاسيكيين، أمثال ويليم ويول وبيير دوهيم وكارل بيرسون وجورج سارتون. ولعل أبرز ممثليهم عالم الفيزياء المتطرف أرنست ماخ
E. Mach (1838-1916)، فقد استنفد قواه الفلسفية والمنطقية في شن حرب شعواء على الكمومية «الكوانتم» والنسبية، ما يوضح إلى أي حد كان تفكيره أسير مرحلة العلم الكلاسيكي، وعجز عن تجاوزها. ونظرا لبساطة مسلمات العلم الكلاسيكي، وتوافقها مع الحس المشترك، فإن ذلك الموقف لا يزال دارجا ويتكرر كثيرا، وحتى يومنا هذا. فيعرب باشلار عن أسفه؛ لأن القرن الثامن عشر لا يزال يحيا فينا. «وأحد أهداف هذا الكتاب الكفاح ضد الموقف العاجز عن مواكبة التقدم في العلم. وهو - أي العلم - المجال الذي يعنينا منه أنه التمثيل العيني لمقولة التقدم في أجلى وأصفى صورها.» (د)
التصور الجدلي (الديالكتكي) لهيجل وماركس وإنجلز وأشياعهم. وتبعا له يؤدي التقدم الكمي التدريجي؛ أي «التراكمي» إلى قفزات كيفية أو «ثورية» تصبح بدورها نقطة البدء لتراكم كمي جديد، يؤدي عند نقطة معينة إلى قفزة كيفية ... وهكذا، وفقا لقانون «الكم والكيف» الجدلي؛ أي الذي ينتقل عبر مراحل الجدل الثلاث: القضية ثم نقيضها، ثم المركب الذي يجمع خير ما فيهما ويتجاوزهما إلى الأفضل، فيصبح بدوره - في مرحلة أعلى من الجدل - قضية تنقلب إلى نقيضها ... وهلم جرا ... وعلى الرغم من النقد العنيف، بل الرفض الحاد الذي يلقاه الجدل من قبل فلاسفة العلم ذوي الولاء الشديد للعقلانية
8
فإننا نرى في التصور الجدلي وسيلة ناجحة للربط بين التصورين التراكمي والثوري في مركب متسق لمن شاء الاستفادة من التصورات الثلاثة معا في كل متآزر.
بيد أن الغاية المرومة في النهاية من كل فلسفة للعلم هي أن تبلور روحه، فتضع الأصبع على أشد ما يفجر الطاقة التقدمية للبحث العلمي والتفكير العلمي، ومن ثم للعقل الإنساني والحضارة الإنسانية. والنظرية الثورية - بداهة - أقوى ما يدفع الطاقة التقدمية للعلم، أوليست تجعله ثوريا؟
ولا بد قبلا من الوقوف عند مصطلح «الثورة» وقفة لغوية، لنميز بين جانبين للدراسة السيمانطيقية للمصطلحات هما الجانب الإشاري المباشر، والجانب الدلالي الإيحائي. من الناحية المباشرة نجد «الثورة» تعني - دائما - نمطا من التغيير المفاجئ السريع، مغايرا لمجرد النمو، أو حتى التطور الذي هو تغير تدريجي بطيء «يوازيه في تفسير التقدم العلمي النظرة التراكمية»، لذلك قيل: إن «الثورة مقابلة للتطور، فهي سريعة وهو بطيء، وهي تحول مفاجئ وهو تبدل تدريجي.»