فيمكن أن ننتقل إلى الطرف المقابل للرديين، إلى جوزيف مارجوليس على الرغم من اختلافات ما بين مسلمات هذا البحث ومسلمات تفكيره. فعمله الضخم (علم بغير وحدة) من أحدث وأعنف وأجرأ الهجمات الموجهة لفلول المشروع الردي، وهو يسم كتابه بأنه «دفاع حار عن التشعب، ورفض تام للوحدة، وثمة ما هو أكثر من هذا، أو أننا ننتوي ما هو أكثر من هذا، وذلك أنه حتى لو كنا سنسلم بأن مشروع وحدة العلم لم يعد ذا وجود حقيقي كاختيار حيوي، وأن الاستسلامات التي توالت منذ أوان مجده قد مسخته تماما، وحتى لو كان السؤال عن المنهج قد سقط فعلا من الاعتبار بوصفه شفرة مدونة للولاء لفئة ما فرعية للمعتقدات الأساسية التي تسلمناها من زمان أسبق، فلا بد أن نستغل بتعمد ميزة الموجه المساعد على الكشف الكامنة في استحضار المناظرات القديمة بغير الوقوع في شرك العبارات الاصطلاحية الأسبق.»
12
وإذ نفعل هذا سنلقى كما يقول مارجوليس «معنيين للتشعب». فإذا عارضنا وحدة العلم، فإن التشعب - أي ما هو ضد الوحدة - سوف يسود، أما إذا كانت وحدة العلم قد اضمحلت فعلا فإن التشعب يشير إلى نقد أحر دعاوى الوحدة، حتى في قلب مجال النماذج التي ينبغي أن تكون للعلوم الفيزيائية، وذلك هو المغنم الأعظم، وإذا سلمنا بهذا فكل مشاريع العلم هي بحسم إنجازات إنسانية. فالعلم بعد كل شيء هو بصفة جذرية إنساني، وكل أنظمته الجديرة بالإعجاب نصونها نحن البشر، نصونها تحت الظروف التي تجعلها أكثر في الإعجاز وفي الروعة مما يتصور معتنقو دعاوى الوحدة.
13
حسنا، ولكن لماذا ينعت مارجوليس النماذج بأنها «ينبغي أن تكون» للعلوم الفيزيائية؟ •••
فلربما يستمر الاعتراض والرفض، على أساس أن تحرر العلوم الإنسانية من الرد إلى العلوم الطبيعية، ووقوفها في نسق العلوم، وقوف الأنداد قد ينطوي هو الآخر على فرض النموذج الطبيعي، بمعنى أن ينتهي الرد إلى العلم الموحد، وأن تتشعب العلوم ما شاء لها التشعب، وتستقل ما شاء من استقلال، على أن يظل النموذج الطبيعي هو المثال الذي ينبغي أن يحققه كل علم، و«رفض النموذج الطبيعي» شعار رفع لواءه الفينومينولوجيون، وتسابق لحمله كثيرون، يفعلون هذا بغير تدبر كاف، ومن أجل رفض النموذج الطبيعي قد يعزفون عن الاستفادة من مجرد الخاصة المنطقية للعلوم الطبيعية.
والواقع الآن أن ما يسمى «النموذج الطبيعي» مرفوض في العلوم الطبيعية، وفي قلب الفيزياء ذاتها رفضا للنموذج النيوتني، الذي انهار تحت وطأة جسيمات الذرة، ومجرد التفكير في الكون مع النسبية يناقض التفكير في أي نموذج، اللهم إلا إذا كان من الممكن ومن المجدي بناء عدد لا محدود من النماذج لهذا الكون، كل نموذج يصور الكون بالنسبة لواحد من عدد لا محدود من المواقع المختلفة والأزمنة والأمكنة والسرعات المختلفة للراصدين، ثم كان تطور علوم الذرة ليؤكد فكرة اللانموذج، فقد حاز نموذج رزرفورد
E. Rutherford (1871-1937) للذرة، الذي يشبه - إلى حد ما - النظام الشمسي شهرة ذائعة، وفيه تتألف الذرة من نواة تقع في المركز، ويدور حولها عدد من الإلكترونات في مدارات مختلفة، ورغم الشهرة الذائعة لهذا النموذج والمكانة العظمى لواضعه فإنه نموذج يعاني من عيوب كثيرة، والاقتباس التالي يوضحها: «العيب الأول يخص الإشعاع الصادر عن الإلكترونات التي تدور حول النواة، فحسب النظرية الكلاسيكية فإن على الإلكترونات كجسيمات مشحونة تسير في سرعة دورانية، أن تصدر إشعاعات كهرومغناطيسية بصورة مستمرة، وعندما يصدر الإلكترون إشعاعات، فإنه يفقد جزءا من طاقته، وهذا يؤدي بدوره إلى جعله يقترب من النواة في المركز، ويزيد في سرعته الدورانية، وهكذا فالإشعاع المستمر يؤدي إلى دوران يقترب فيه الإلكترون باستمرار نحو النواة (دوران حلزوني) إلى أن يلتصق بها، إذن يجب أن تلتصق كل الإلكترونات مع النواة في نهاية الأمر. وهذا يعني انهيار الذرة وانهيار الكون كله، والعيب الثاني للنموذج أنه يتنبأ بإصدار شعاع كهرومغناطيسي ذي طيف متصل، وهو ما يتناقض مع التجارب الطيفية العديدة المتوافرة.»