14
وقد حاول العالم الدانماركي نيلز بور أن يتدارك هذا بوضع نموذج آخر للذروة نشره عام 1913، وطرأت عليه بعض التحسينات خصوصا على يد العالم الألماني زومرفيلد، وهو أستاذ هيزنبرج. يقول العالم الفيلسوف هنري مارجينو أستاذ الفيزياء البحتة بجامعة بل: «ترسخ درس اللانموذج نهائيا بعد أن فشلت آخر محاولة لبناء النماذج، وهي نظرية بور في فهم العالم الأصغر. في حدود النماذج التي تتضمن الحركة المألوفة للميكانيكا المرئية، وأخطر نواحي فشلها عجزها عن التنظير لأطياف الذرات التي لها أكثر من إلكترون واحد.»
15
وهكذا ثبتت عبثية فكرة النموذج كأصل وفروع، كفكرة وتطبيق، في عالم العلم، ولكن هل النماذج شيء مهم؟ إنها قد تكون مهمة في مدارس الأطفال والصبية، ولكنها ليست هكذا في مدارس الفلاسفة والعلماء، إن الذرة وعالمها الأصغر والعالم الأكبر ... هذا متصور ومفهوم الآن فهما يزداد دقة يوما بعد يوم، بغير حاجة إلى نماذج، ينبغي أن تكون ثمة مقدرة أكبر على التجريد.
16
إذن ليس ثمة نموذج مفروض، فليس ثمة نموذج أصلا، ولا وصاية على علم، ولا وحدة حديدية تردها جميعا إلى الفيزياء، إنها فقط الأسس المنطقية الصورية من حيث هي متبلورة في الفيزياء، لتكفل تآزر الجهود، وتكاتف الأنشطة، وبالتالي تسارع التقدم.
إن هذا التآزر النسقي المنشود ينبغي وأن يتحقق على أكمل وجه في نظرية المنهج العلمي، ومنطقه التجريبي، من حيث هو متحقق في البحث العلمي ذاته، فالبحث العلمي هو النموذج الأمثل على الجهد الجمعي التعاوني، كما تشهد طبيعته، ويشهد واقعه على مستوى الممارسة، ومستوى الفكر، ومستوى النظر، بل ومستوى الرسميات، ومنذ أن بشر بيكون بهذا في «أطلانطس الجديدة» المدينة العلمية الفاضلة، حتى تم اعتماده رسميا بنشأة الجمعيات العلمية إبان القرن السابع عشر، خصوصا الجمعية الملكية في لندن وأكاديمية العلوم في باريس، وصيغ نهائيا «حين استبدل القرن الثامن عشر بفكرة العلم مفهوما على أنه إنجاز شخصي وعقلي، فكرة الموسوعة التي تهدف إلى تجميع المعارف المتفرقة على ظهر البسيطة »،
17
وكان أحد انعكاسات هذا في القرن الثامن عشر أن تكاتف علماء فرنسا أجمعين - بريادة العلماء ذوي الاستبصارات الفلسفية - لإنجاز هذه الموسوعة.
وبمرور الأيام وتواتر التقدم العلمي يزداد العلم إمعانا في طابعه الجمعي التعاوني، بالمنظور الرأسي وبالمنظور الأفقي، المنظور الرأسي يعني استناد كل إنجاز علمي إلى الأعمال السابقة في ميدانه منذ الرائد الأول جاليليو، فلولا أبحاث أرشميدس في العصور القديمة لما كانت بحوث جاليليو التي لولاها لما كان نيوتن، فضلا عن الأسبقية المباشرة لأبحاث روبرت هوك ذي العبقرية التجريبية الفذة متعددة الجوانب، حتى قيل: إن بعض أعمال نيوتن محض صياغة تجريبية لما قاله هوك.
18 «وأعمال مدام كوري مثلا لم تكن ممكنة لولا اكتشاف بيكريل لإشعاع اليورانيوم، وقد استلزم اكتشاف هذا الإشعاع مساعدة من التصوير الشمسي، ويفترض هذا الأخير بدوره اكتشاف التأثير الفيزيوكيميائي وهكذا».
19
أما التعاون الأفقي فهو بين الأفرع المختلفة من العلوم، وفقا للتقسيم السابق إلى ثلاث مجموعات: فيزيوكيميائية وحيوية وإنسانية، وفي المرحلة الزمانية نفسها، كما نلاحظ مثلا في الفيزياء الفلكية والكيمياء الفيزيائية من ناحية، والكيمياء الحيوية والكيمياء العضوية من الناحية الأخرى، بل واللافت والمثير حقا أن العلوم الإنسانية بحكم موقعها وتعقد ظواهرها واستفادتها من المجموعتين السابقتين عليها والأكثر عمومية، نقول إن العلوم الإنسانية أكثر من سواها توغلا في هذا التعاون الأفقي، بحيث يتجلى بصورة أوضح، فنجد مثلا علم النفس الفيسزيولوجي؛ حيث استفادة السيكولوجيا من الفيزيولوجيا، أو علم النفس الاجتماعي؛ حيث يتعاون ويتآزر علما النفس والاجتماع، أو الجغرافيا الاقتصادية؛ حيث يلتقي علما الجغرافيا والاقتصاد ... وهكذا «ولا يمكن لعلمي الاجتماع: الصناعي والمدني أن يضربا صفحا عن معرفة البنى الاقتصادية، فعلم النفس الاجتماعي مثلا حين يدرس العلاقات بين الجماعات الصغيرة لا يمكن أن يكون منفصلا عن دراسات أوسع للأحوال الاقتصادية أو لتاريخ التيارات الفكرية التي أثرت على الأشخاص الذين يستأثرون باهتماماتنا، ويخضع كشف النقاب عن مجال جديد لنتائج اكتسبت في الماضي، أو في فروع أخرى من العلم، فجذور الراديو والتليفزيون تمتد إلى عمل هيرتز