7
أي الوضعية المنطقية التي سادت في أواسط القرن العشرين، ثم بادت.
ذلك أنه وبطبيعة المواقف الحدية المتطرفة للوضعية المنطقية في تحمسها المشبوب لكل ما له علاقة بالعلم، نلقاها وقد تحمست بدورها تحمسا مشبوبا بزت به الجميع لمشروع العلم الموحد، حتى يمكن اعتبارها المتحدثة الفلسفية الرسمية باسمه، فقد وجد ذلك المشروع أصفى وأنقى صياغة له في مخططاتهم لبناء «اللغة الفيزيائية
Physical Language »، بوصفها لغة عمومية للعلم، وأي لغة لأي مجال فرعي في العلم - بمعنى لأي علم آخر غير الفيزياء -يمكن أن تترجم إلى لغة العلم هذه، وبصورة مكافئة تماما لصورتها الأصلية، بناء على هذا نستنتج أن العلم بنية واحدة تكاملية مركزية، لا نجد داخلها مجالات لمواضيع ذات تباين جوهري، وتبعا لهذا لا نجد هوة بين العلوم الطبيعية أو الفيزياء، وهي الحد الأعلى للبنية، وبين العلوم السلوكية، وهي الحد الأدنى.
8
هذه اللغة الفيزيائية تكفل ببنائها الوضعي المنطقي الأكبر رودلف كارناب
R. Carnap (1891-1970)، وفي البداية عاونه الوضعي المنطقي عالم الاقتصاد أوطو نويراث
O. Neurath (1882-1945).
9
إنهما كسائر أعضاء فيينا - منشأ الوضعية المنطقية - تأثرا بالتقدم الرهيب لعلم الفيزياء، فأراداه علم العلم والعلم الواحد الذي لا علم سواه «وهذا ما يسمى بالنزعة الفيزيائية
Physicalism »، ومن ثم تكون لغة الفيزياء هي اللغة العلمية الواحدة للعلم الموحد، هذه اللغة تتمتع بخاصة تجعلها كلية عمومية
Universal
يمكن أن يقال فيها كل شيء له معنى تبعا لمطابقة الوضعيين المناطقة بين المعنى والعلم، وبين اللاعلم واللغو! إنها اللغة التي تتحدث عن الأشياء الفيزيائية وحركاتها في الزمان والمكان، وكل شيء إنما يمكن التعبير عنه أو ترجمته في مصطلحات هذه اللغة، حتى - بل خصوصا - علم النفس على قدر ما هو علم، أما مشكلة أسسه فهي:
هل يمكن رد مفاهيم علم النفس إلى مفاهيم الفيزياء بمعناها الضيق؟
هل يمكن رد قوانين علم النفس إلى قوانين الفيزياء بمعناها الضيق؟
والإجابة أجل، الرد بالإيجاب ليصبح علم النفس فقط علم السلوكيات، وتصبح كل عبارة ذات معنى - أي علمية - قابلة للترجمة إلى عبارة حول الحركات الزمانية المكانية للأجسام الفيزيائية، أي للغة الفيزياء أو لغة العلم الموحد، تلك هي اللغة التي حاول رودلف كارناب أن يبني لها بناء نسقيا منطقيا، ويضع قواعد الصياغة فيها أو قواعد التحويل إليها والاستنباط منها، وكتب يقول: «إذا كنا سنتخذ لغة الفيزياء كلغة للعلم، بسبب خاصيتها كلغة كلية، فإن جميع العلوم ستتحول إلى الفيزياء، وسوف تستبعد الميتافيزيقا على أنها لغو، وتصبح العلوم المختلفة أجزاء من العلم الموحد.»
10
وقد لاقت لغة العلم الموحد عند كارناب خصوصا، والوضعية المنطقية عموما، نقدا مريرا لا يبقي ولا يذر من كارل بوبر، ولا غرو، فأوتونويراث يلقبه بالمعارض الرسمي للوضعية المنطقية.
11
إن بوبر يؤمن بوحدة المنهج - بالمعنى الفلسفي العام، وليس الإجرائي المتعين - بين العلوم الطبيعية والإنسانية، ليس هذا فحسب، بل إنه يرى المنهج العلمي من المنظور الأشد عمومية، وهو عند بوبر منهج المحاولة والخطأ، إنما يحكم شتى محاولات الكائن الحي في التعامل مع بيئته، ولكن ليس يستدعي هذا رد العلوم جميعا كما في مخططات الوضعيين - أو سواهم - الدءوبة لبناء العلم الموحد، الذي ترتكز نهاياته على قضايا علم النفس السلوكي الجزئية، وترتد أولى بداياته إلى نظريات الفيزياء البحتة.
وليس بوبر في هذا متفردا، بل هو سائر في اتجاه عام يستهدف التخلص من رواسب الإبستمولوجيا الكلاسيكية الميكانيكية الحتمية، التي بانهيارها انتهى المشروع الردي، وفقد كل مبرراته، ولأن بحثنا هذا قائم منذ البداية من أجل تجاوزها، واستنفدنا الجهد طواله للحاق بالإبستمولوجيا المعاصرة، كنا أكثر الجميع طرا رفضا للمشروع الردي.