3
فيؤكد باشلار كثيرا أهمية النقد. أو حسب تعبيره «هذا الشك المسبق المنقوش على عتبة كل بحث علمي، يتصف بأنه متجدد، وهو سمة أساسية لا موقوتة في بنية التفكير العلمي.»
4
لذلك ينتهي باشلار إلى أن العقل العلمي يتنكر دائما لما ينجزه، من حيث دأبه على نقده وتصويبه. ألم نتفق على أن منطق العلم «منطق تصحيح ذاتي»؟! إنه لهذا يكفل لتواتر محاولات العلماء الإبداعية، ومحض توالي البحوث المنهجية ... يكفل لها التقدم المستمر، من حيث يفتح أمامها آفاقا أوسع. معنى هذا أنه مهما أحرزت العلوم الطبيعية من تقدم، فسوف يظل إحرازها هذا يحمل في صلب ذاته إمكانية التقدم الأبعد، فلا ركون ولا سكون البتة. بعبارة أخرى كل إجابة يطرحها العلم يطرح معها تساؤلات جديدة أبعد مراما. وكما يقول كلود ليفي شتراوس
C. Levi Strauss (1908-؟): «سوف تكون هناك دائما فجوة بين الإجابة التي يكون العلم قادرا على إعطائها لنا، وبين السؤال الجديد الذي سوف تثيره هذه الإجابة.»
5
فلن يتوقف أبدا تقدم مسيرة العلم الطبيعي الظافرة، التي انطلقت في طريقها الصاعد الواعد، فور أن وضع نيقولا كوبرنيقوس
N. Copernicus (1473-1543) فرض مركزية الشمس - التي سبق أن طرحها أرسطارخوس الساموسي في القرن الثاني الميلادي - بدلا من مركزية الأرض في النظام البطلمي القديم، المعتمد طوال العصور الوسطى. وتعد مركزية الشمس الكوبرنيقية - بضعف حجمها، وما فيها من أوجه قصور - هي المنعطف الجذري بألف ولام التعريف، الذي تحول معه العقل البشري من شعاب العلم الطبيعي القديم، ليستهل الخطوة الأولى ونقطة البدء في تشييد «نسق العلم الحديث».
لقد قيل إن العلم الطبيعي أقدم عهدا من التاريخ. فالمعطيات الأساسية التي يرسو عليها تأملها الإنسان وأسلافه لعشرات ومئات الآلاف من السنين، وقبل أن تخترع الكتابة. والواقع أن رموز الأعداد اخترعت قبل الكتابة. فأول ما ينبغي أن نقره بشأن العلم، هو أنه متأصل في صلب أقدم مناحي الإنجاز الإنساني.
6
وحين نتقدم قليلا في مسيرة الحضارة الإنسانية سوف نلقى - بصفة أكثر تحديدا - الميراث العلمي الواضح المعالم للحضارات الشرقية القديمة، وعلى رأسها الحضارة الفرعونية، أعظم الحضارات طرا وفجرها الناصع. ثم هل كان يمكن تشييد «نسق العلم الحديث» بغير الأصول النظرية العميقة التي أرساها فلاسفة الإغريق، والفروض المثمرة التي طرحها بعضهم، خصوصا قبل السقراطيين منهم، وعلى رأسها فرض الذرة. وبصفة أكثر عينية لم تكن إنجازات جاليليو (1564-1642) - وهو في طليعة الآباء العظام للعلم الحديث - ممكنة دون إنجازات أرشميدس، هو الذي علمه التآزر الخصيب الولود بين لغة الرياضيات ووقائع التجريب. ومعلوم جيدا دور العلماء العرب في العصور الوسطى في مواصلة مسيرة البحث التجريبي، وعلى رأسهم وعلى رأس العلماء الطبيعيين القدامى طرا، ابن حيان، وابن الهيثم، والبيروني، والرازي.
ولئن كان العلم الطبيعي في هذا المسار الطويل قد أنجز بضع محصلات، ربما تتخذ مواقعها حتى الآن في نسق العلم الحديث، ولو كأصول تمهيدية فإنها كانت نتائج ضئيلة نسبيا والأهم متناثرة؛ لأن البحث العلمي نفسه كان نشاطا متناثرا، مشتتا مبعثرا، ملحقا بالاحتياجات العملية المباشرة في العهود السحيقة، ثم بالكهنوت في الحضارات القديمة، ثم بالفلسفة والإطار الثقافي في الحضارة الإغريقية، وفي الحضارة الوسيطة التي كان إطارها إطارا دينيا. فلم يكن العلم الطبيعي القديم كيانا مستقلا بذاته، حتى انبثق العلم الحديث في صورة نسقية؛ أي مهيأة للاستقلال، بحيث تحمل في صلب ذاتها حيثياتها وإمكانات تناميها، وفاعلية عوامل تقدمها ذي المعالم الواضحة.
والنسقية تعني إحكام المشروع العلمي فيرتكز في شتى ممارساته على أصوليات منهجية صارمة، ترتد في صورة خصائص منطقية دقيقة تحدد للمشروع العلمي تخوما واضحة، ما يكفل تآزر الجهود العلمية، فيجعلها تمثل متصلا صاعدا، يواصل تقدمه باستمرار، ويلقي في جوانحنا الثقة المدعمة بأن غده أفضل من يومه، تماما كما أن يومه أفضل من أمسه، الذي كان أفضل من أمسه الأول. فتمثل كل ممارسة من ممارسات العلم الطبيعي إضافة لرصيده، أو بالأحرى لرصيد الإنسانية، لكن إضافة رأسية.