14
ومن ثم كان تعثرها عبر الفجوة المذكورة آنفا، وكما أوضحنا التأمت، وبعد النسبية والكمومية الجديدة واللاتعين والميكانيكا الموحية ... اتضح أن الظواهر الطبيعية ليست مطردة ولا متجانسة كما كان يظن، وبعد الشوط الذي أحرزته العلوم الإنسانية - لا سيما في الدراسة الوصفية - اتضح أن ظواهر العلوم الإنسانية ليست متغايرة كما كان يظن، أي أن الطبيعة النوعية المعقدة لموضوع الدراسة لم تعد تحول بين العلوم الإنسانية وبين الاستفادة من إمكانات تقدمية كالمتاحة منطقيا أمام العلوم الطبيعية، ولا العلاقة بين الباحث وموضوع البحث في العلوم الطبيعية بأصفى وأنقى وأبسط منها في العلوم الإنسانية.
هكذا تستوعب الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة - لمن شاء واستطاع استيعابها - عاملي مشكلة العلوم الإنسانية، وتفتح الطريق للخروج منها، وتفتح الطريق لتحقيق درجة التقدم المنشودة فيها في المرحلة التفسيرية على ضوء الخاصية المنطقية المميزة للعلوم الطبيعية.
سوف نعرج الآن بالخاصية المنطقية على تفاعل العاملين معا، والذي ينجم عنه افتقاد المرحلة التفسيرية لتقنين منطقي أدق، المردود إلى أن الباحث مثقل بالأيديولوجيات القومية وأحكام الحس المشترك، ما يجعل أنساق النظريات في العلوم الإنسانية مفتوحة الطرفين؛ ولكي تتسع - بل لكي تتأتى إمكانات حل مشكلة العلوم الإنسانية - لا بد من الحيلولة دون تسرب أو اقتحام ما هو لاعلمي إلى داخل نسق العلم، وإذا كانت المؤثرات الخارجية والأيديولوجية قد أدت إلى تنازع العلماء، فحالت دون تكامل التفسيرات، ودون التآزر المتوازن بين التنظير والتجريب، فإن المنطق معامل موضوعي مشترك، كفيل بالجمع بين العلماء وتحقيق التآزر المنشود.
| هوامش
الفصل السابع
| إمكانية حل مشكلة العلوم الإنسانية
لقد بدا واضحا كيف يطرح معيار القابلية للاختيار والتكذيب التجريبي أمام العلوم الإنسانية، وبمنتهى الدقة المستطاعة لمنطق العلم محكا حاسما لتحديد ما هو علمي دونا عما هو لاعلمي؛ ليصبح من الممكن تحديد تخومها العلمية بما يحول دون تسرب الأيديولوجيات والفلسفات والإسقاطات التقويمية وأحكام الحس المشترك ، وكل ما هو لاعلمي ينجم عن اقتحامه بنية العلم: افتقاد الإحكام في المشروع العلمي، وافتقار للتقنين المنطقي الدقيق، ما يؤدي إلى تعارض المسارات وتعرقلها، والحيلولة دون تسارع التقدم العلمي المرتهن بتآزر الجهود وتكاملها على النحو المتحقق بأجلى صورة في العلوم الطبيعية.
وإذا كانت هذه الخاصية المنطقية تتحقق على الوجه الأكمل - بداهة - في العلوم الطبيعية، وعلى الأخص الفيزياء بحكم بساطة موضوعها، وعراقة ممارساتها، فليس معنى هذا أننا ننشد تحقيقها، وبهذه الدرجة نفسها في العلوم الإنسانية، والتطويع لشروط الخاصة المنطقية المقننة والمقننة لا يشبه بحال «وضع الآراء على سرير بروكرست؛ حيث تقطع أوصالها حتى يلائمها، بل هو أشبه بممر أو ثقب لا يسمح إلا بعبور ما هو علمي محتجزا أمامه ما ينتمي لغير العلم، ما دام كان عاجزا عن صوغ نفسه في فرض يقبل التحقق من صحته أو كذبه».
1
فلسنا نطرح القابلية للاختبار والتكذيب - أي الخاصة المنطقية للعلوم الطبيعية - كهدف ينبغي إحرازه، بل هي بالأحرى مبدأ تنظيمي، لصوغ الفروض والحكم عليها بمنأى عن التحيز والهوى وضغوط العوامل الخارجية، فيكفل الخروج بنتائج «علمية» أنه مبدأ تنظيمي، كلما اقتربت منه العلوم الإنسانية أكثر تآزرت جهودها أكثر لتمثل متصلا صاعدا عساه أن يتسارع.
إن هذا لا يعني أكثر من إمكانية إنجاز المشروع العلمي على نفس الأسس والحدود المنطقية للظواهر الطبيعية والإنسانية على السواء المشكلة معا لمجمل الكون الذي نحيا فيه، ونهدف إلى إحكام سيطرة العقل عليه بواسطة العلم التجريبي الذي أثبت نجاحا لا يمارى ولا يبارى في هذا الصدد، لقد هدفنا إلى استغلال ما هو مشترك في الممارسة العلمية التي أثبتت نجاحا واضحا، أي البحث عما يجعل من النسق نسقا علميا، وليس فلسفيا، أو فنيا، أو قيميا، أو غيرها من طرق تعامل قوى الإنسان المبدعة مع عوالمه.