تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والواقع أن الخاصة المنطقية التي جعلناها حجر الزاوية لحل المشكلة لا تعدو أن تكون الصياغة المنطقية الصورية المقننة الدقيقة، لما يعرف بالسمة التجريبية التي هي العلاقة المسئولة مع الواقع، وقد أصبحت خاصة مميزة للعلوم الطبيعية عبر ممارسات طويلة عريضة عريقة وراسخة، منذ أن أعلن فرانسيس بيكون البيان الرسمي لها، أي منذ ما يقرب من أربعة قرون خلت، ولا يجادل أحد في أن تجاوز العلوم الإنسانية لطور الميلاد والنشأة والنمو، وأيضا النضج راجع إلى أنها وجدت أساليبها التجريبية الأمبيريقية وأحكمتها، ويبقى أن مضاعفة درجة التقدم سوف تعتمد على التقنين المنطقي والأشمل لهذه التجريبية؛ خصوصا أن التكالب عليها أدى إلى جعل أنساق العلوم الإنسانية مفتوحة من جهة يتسرب منها سيل التعميمات التجريبية بغير أن تؤسس رصيدا متفقا عليه في انفلاق ضار بين التجريب والتنظير، وتلك السمة التجريبية المقننة التي هي قابلية الفروض العلمية للاختبار تطرح أمام العلوم الإنسانية محكا لضبط التجريب بتوجيهه نحو فروض، فيمكن أن تؤسس رصيدا متفقا عليه، وتداني بين التجريب والتنظير.

أما عن التخلف النسبي للعلوم الإنسانية الذي عالجناه في الفصل الثاني من الكتاب لنلقاه مردودا إلى افتقار التآزر بين التفسيرات، فإن بوبر يعبر عن هذا الافتقاد قائلا: «بعض علماء العلوم الإنسانية غير قادرين، بل ولا يرحبون بالحديث بلغة مشتركة.»

2

وطبعا معيار القابلية للتكذيب يرسم حدود الحديث المشترك، وتطبيقه المباشر أو الحرفي يعني أن ترفع العلوم الإنسانية تماما يدها عن النزعات الكلية، والتنبؤات التاريخية الواسعة النطاق، وأن تحيط بالمشاكل المطروحة فعلا، كل واحدة على حدة بواسطة المنهج النقدي: الاختباري التكذيبي، وبهذه النظرة تغدو وظيفة العلوم الإنسانية والاجتماعية دراسة النتائج غير المقصودة، بل وغير المرغوبة للسلوك، بدلا من التنبؤ بما سيجيء حتميا، وهذه الوظيفة ستجعلها تضع التنبؤات المشروطة القابلة للتكذيب، بدلا من التنبؤات الواسعة النطاق غير القابلة له.

3

إن الطبيعة القابلة للتكذيب، أو التكذيبية للنظرية العلمية، تعني وضع القانون العلمي في صورة حوادث ممكنة، ما يعني إمكانية وضع القانون العلمي في صورة نافية، وتلك الوظيفة المذكورة تفتح أمام العلوم الإنسانية إمكانية التوصل إلى مثل هذه القوانين، أو الفروض النافية؛ أي العلمية، ويعطي بوبر أمثلة على هذا: «لا يمكنك فرض الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية، وتقلل في الوقت نفسه من تكاليف المعيشة»، «لا يمكن تحقيق العمالة الكاملة دون أن يتسبب ذلك في حدوث التضخم»، «لا يمكن في المجتمع ذي التخطيط المركزي، أن يؤدي نظام الأثمان فيه نفس الوظائف الرئيسة التي تؤديها الأثمان القائمة على المنافسة» «لا يمكن أن تقوم بثورة دون أن ينشأ عنها اتجاه رجعي»،

4

هذه الوظيفة أيضا ستجعل التطبيق؛ أي التقانة أو التكنولوجيا تعقب المعرفة الاجتماعية والإنسانية كما تعقب المعرفة الطبيعية، ويلخص بوبر رأيه بأن التقانة الاجتماعية المطلوبة هي التقانة التي لها نتائج يمكن اختبارها بواسطة الهندسة الاجتماعية الجزئية

Social Piecemeal Engineering

المناهضة للتغيير الكلي الثوري كالماركسي، هذه المشاريع الأيديولوجية الواسعة النطاق والمفتوحة الحدود تخرج عن مجال وسيطرة العلوم الإنسانية، وإذا اعترض أنصار سوسيولوجية المعرفة بأن هذا ليس هو المطلوب، وأن مشكلة العلوم الاجتماعية ليست في أنها لا تتوصل إلى نتائج تطبيقية عملية، وإنما في أنها تتعامل مع مشاكل معقدة، ومتداخلة في الميادين النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فإن بوبر يرد عليهم بأن كل المشاكل والوقائع المعرفية معقدة ومتداخلة كما سبق أن أوضحنا، أو بالأحرى كما سبق أن أوضحت الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة، المهم أن البحث يبدأ من فرض توصل إليه العالم من أي طريق كان، وعليه أن يختار الفرض القابل للتكذيب كي يضمن استمرارية التقدم، أما التطبيق العلمي فهو لا يعادي المعرفة النظرية، بل هو حافز لها.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ٥٨