على هذا النحو يبدو جليا كيف أن الهوة التي أصبح المنظور الكلاسيكي كفيلا بشقها بين العلوم الطبيعية والإنسانية إنما تلتئم تماما من منظور الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة بفضل مبدئها اللاحتمي، والاسترشاد بالمثال اللاحتمي إن كان يلقي على كاهل علماء العلوم الإنسانية مسئولية عسيرة ومرهقة حين يطيح بالركائز الحتمية المطلقة التي بدت كفيلة بضبط أبحاثهم، فإنه يبرئ العلوم الإنسانية من مطمع المغرور، وفي نفس الوقت من اليأس والقنوط من الوصول إلى المثال الحتمي، فيمكننا من أن نعمل بعزيمة حديدية وإمكانات الانطلاق لفروض الجريئة، ويزيد من شحناتها مستوى التجريد الفائق الذي وصل إليه العلم المعاصر في الطبيعة، فلماذا لا يصل إليه في الإنسان أيضا؟
لقد قال المنطقي الميثودولوجي المدقق بريثويت: «إن التقدم الحديث في الفيزياء قد يعطي شحنة قوية لعلماء النفس كيما يضعوا تأملات جريئة؛ لأن النظريات الفيزيائية السائدة تدور حول أشياء لا يمكن تعريفها في حدود الخبرة، وفوق هذا نجد أن بساطة القوانين الفيزيائية واضحة فقط أمام الرياضيين والإحصائيين؛ لذلك أشعر بأن علماء النفس يجب أن تتاح أمامهم حرية كبيرة للعمل، فيما يتعلق بالكيانات التي يستعملونها، وأحسب أن مجالهم قد تعرقل كثيرا في الماضي بمطالب فلاسفة وآخرين (يقصد الوضعيين والسلوكيين) بأن كل مصطلح يستخدم يجب أن يكون له تعريف تجريبي مباشر، على أن علم النفس بالطبع يجب أن يظل علما تجريبيا، وقوانينه المقبولة يجب أن تكون مؤيدة بالوقائع بصورة أو وبأخرى.»
11
أو بعبارة أخرى قابلة للاختبار التجريبي، ثم التكذيب، أو التعزيز، ولما كان قول بريثويت هذا - عام 1931 - ينطلق عن تمثل جيد للإبستمولوجيا العلمية الجديدة الصاعدة آنذاك، فقد أتى تحققها بعد خمسة وعشرين عاما، حين بدأت منذ عام 1956 الثورة المعرفية - علم النفس المعرفي، والعلاج النفسي المعرفي - ثورة على السلوكية ونماذجها الميكانيكية الآلية التي تحققت بنجاح مبدئي في دارسة السلوك الحيواني، فافترض السلوكيون أن الأفعال الإنسانية جميعا، حتى اللغة والأفكار والإبداع وسمات الشخصية ... إلخ يمكن تفسيرها بنماذج مشابهة، وإن تكن أكثر تعقيدا، يرفض الجيل الجديد من النفسانيين المعرفيين هذه النظرة الآلية، محتجا بأن هناك تراكيب وعمليات للعقل لا سبيل إلى إحالتها إلى أخلاط من الاستجابات المدعمة، فنظروا إلى القيود التي وضعتها السلوكية في نصف القرن الأخير بوصفها قيودا عقيمة، وأنها - للأسف الشديد - مصوغة على أساس تصور العلوم الفيزيائية عفى عليه الزمان.
12
على أن علم النفس المعرفي ليس رفضا هجوميا للسلوكية، بل هو بالأحرى استيعاب وتجاوز أو حتى امتداد أنضج لها، إن السلوكية ذات فضل عظيم في تنمية الدراسات النفسية الإحصائية، والمعرفيون يرون ثورتهم انعكاسا لتطور العلوم الإحصائية - لكن لأنها تنشئ نوعا جديدا من المرونة الفكرية، وامتدادا لاستراتيجيات البحث، مدركين أنهم على طريق التقدم الجوهري الذي سيؤدي إلى بصيرة وفهم لهما قيمتهما النظرية والعلمية على حد سواء،
13
إن علم النفس المعرفي من أكثر التطورات في العلوم الإنسانية استجابة واستفادة من الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة؛ لذلك كان انتصارنا له منذ بداية هذا البحث؛ ولذلك أيضا كانت الإمكانات التقدمية المتاحة أمامه أفسح وأخصب - كما سبق أن أشرنا. •••
الخلاصة أن الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة - التي هي لاحتمية تعني انقلابا جذريا على الإبستمولوجيا الحديثة الكلاسيكية - التي كانت حتمية، و«أن هذا التحول الجذري قد أدى إلى تقارب كبير في المنهج بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، وإذا ما كان هذا التقارب قد بدأ أيضا بتحرك العاملين في مجال العلوم الرياضية، فإن الصياغة الجديدة لعلم الطبيعة، والتي تتبلور الآن أمام أعيننا قد أظهرت أن النظم المعقدة التي تدرسها العلوم الإنسانية، ليست أكثر تعقيدا من النظم الطبيعية، لقد كانت المحاولات الأولى لإحداث التقارب بين مجالي المعرفة أسيرة العلم الطبيعي التقليدي بموضوعيته وحتميته»،