تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تصور كيتليه إمكانية تطبيق هذا الحساب على الظواهر الاجتماعية»،

7

هكذا جعلت الحتمية كونت يثور على الإحصاء المفضي إلى نتائج احتمالية، وبعد أن اعتزم تسمية العلم الجديد بالفيزياء الاجتماعية، عزف عن هذا، وأسماه علم الاجتماع بدلا من «الفيزياء الاجتماعية» التي دنسها كيتليه بالاحتمال والإحصاء، وعلى الرغم من تأكيد كونت أن الرياضة هي النموذج الأمثل الذي ينبغي أن تحتذيه كل دراسة لكي تصير علما، فإنه قد لاحظ أن الظواهر الاجتماعية أكثر تعقيدا؛ لذلك فإن تطبيق المنهج الرياضي في دراستها سيكون محدودا قد يعطي الوهم العلمي، لكن لن يعطينا الحتمية - العلم الحق - وسحقا لكل ما يمس الحتمية العلمية، أجل سحقا! وليس هذا تعبيرا إنشائيا، بل دلالي، فمثلا أدان كونت المجهر؛ لأنه يهدم الصورة البسيطة لقوانين الغازات المتسقة مع التصور الحتمي، هذا التشبث الأهوج بالحتمية، وإلى الدرجة التي تلهي فيها الوسيلة عن الغاية يعطينا تفسيرا لمعوقات التقدم عموما، وفي العلوم الإنسانية خصوصا؛ لأن الحتمية العلمية تنفي الحرية الإنسانية، وإمكانات الاختيار نفيا باتا كما أكد أوجست كونت وسائر الوضعيين في علم الاجتماع، ومعهم السلوكيون في علم النفس، بينما الحرية الإنسانية وإمكانية الاختبار بين البدائل ظاهرة أكيدة في واقع الإنسان،

8

ولا يتأتى الوصف والتفسير الكفء بغير أخذها في الاعتبار كما يسلم مثلا علم النفس المعرفي، وفروع أخرى من العلوم الإنسانية استطاعت استشراف ما يستشرفه من إمكانات تقدمية.

وهذا الإحصاء الذي هاجمه كونت، وتنازل بسببه عن المصطلح الذي استعمله منذ البداية (الفيزياء الاجتماعية) أليس هو الآن في عصرنا اللاحتمي هو منهج الفيزياء الذرية - أو الكمومية - ذات القوانين الاحتمالية، وما دامت الإحصاء هي الأسلوب، والاحتمال سمة النتائج، فلن يقوم فارق كيفي بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية ولا هوة بينهما، الفارق كمي فقط في درجة التقدم.

الإحصاء والاحتمال كأساليب منهجية يلغيان افتراض الاطراد في موضوعها، أو على أوسع الفروض يجعلانه يتخذ صورة المقدمات المحتملة تؤدي إلى النتائج المحتملة، فلن نصل أبدا لا في الفيزياء، ولا في علم من العلوم الطبيعية، أو العلوم الإنسانية على السواء إلى موقف كلي واحد يكرر نفسه تماما، وكل ما نلاحظه، وأيضا كل ما يعوزنا افتراضه في الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة أن مقدمات الموقف عندما تكون متشابهة، فإن المعقبات أيضا متشابهة، والنتيجة تقريبية بما يكفي سواء في الطبيعة، أو في الإنسان، فمثلا حين نقيس الماء بمقياس حرارة عادي، فإننا نعامل الماء على أنه مكون من عينات مختلفة لها درجات تكثف مختلفة، ونلاحظ الاختلافات الطفيفة في درجة الحرارة إذا كان مقياس الحرارة دقيقا بما يكفي.

9

هكذا نلاحظ أن الإبستمولوجيا المعاصرة هجرت مبادئ الحتمية من عمومية واطراد؛ لأن هذا يفضي إلى نتائج فيزيائية أو طبيعية أدق وأثمن، الأمر أيضا صحيح بالنسبة لظواهر العلوم الإنسانية التي يستحيل معها أصلا افتراض عمومية مطلقة، واطراد ثابت، كما أوضحنا حين البحث في حيثيات مشكلة العلوم الإنسانية، وحين أمكننا أن نخلف الفكرة الكلاسيكية عن القوانين الطبيعية المطردة التي تسير بدقة مطلقة من أصغر ذرة، حتى أضخم جرم سماوي، وأن نأخذ - بدلا منها - بمبدأ أكثر تواضعا للثوابت التجريبية أو الإحصائية التي تسري في مجالات محددة، أصبحت معرفتنا لظواهر الطبيعة تشابه معرفتنا بظواهر الاجتماع من وجوه عديدة، وكل ما في الأمر أن المعاملات الإحصائية في الاجتماع أو نسب الاحتمال أضعف أو أكثر انخفاضا.

10

مرة أخرى الفرق كمي فقط في الدرجة - درجة التقدم وليس في النوعية - نوعية المناهج والقوانين والمشاكل التي تجعل نتائج البحوث الطبيعية علما، ونتائج البحوث الإنسانية مشكوكا في علميتها.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ٥٥