تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذي صاغه فيرنر هيزنبرج عام 1925، وينص المبدأ على أن تأثير أدوات القياس يفرض قدرا من اللاتعين في التنبؤ بمسار الجسيم، فيستحيل التعيين الدقيق لموضعه وسرعته في آن واحد، ودقة أحد الجانبين: (الموضع أو السرعة) إنما تتحقق على حساب الدقة في الجانب الآخر، إذن فقد تعلمنا من هيزنبرج ضرورة حساب الأثر المتبادل بين الباحث وموضوع بحثه، معنى هذا أنهما لا بد أن يتفاعلا، إذن ليست العلاقة بين الباحث وموضوع البحث حيvثية لمشكلة تتفرد بها العلوم الإنسانية، بل هي مشكلة مشتركة بينها وبين العلوم الطبيعية إلى حد ما، وكما يقول برود: «حقا إن مبدأ اللاتعين لن يكون له أثر ذو بال على الحتمية أو اللاحتمية السيكولوجية أو الحرية في السلوك الإنساني غير أنه يوضح أن الفيزيائيين بعد نقطة معينة تواجههم صعوبات مماثلة لأخرى كثيرا ما شعر بها علماء النفس.»

3

فالعلم يهدف إلى التفسير، وليس ثمة تفسير واف ما لم يأخذ في اعتباره كلا من العالم والظاهرة، هذا هو الدرس العميق الذي لقنتنا إياه الفيزياء المعاصرة.

4

وقد أكده نهائيا أينشتين الذي يعود إليه فضل الاستبعاد التام لخطأ المطلقية من مجال الفيزياء، أو العلم إجمالا، قضى مبدأ اللاحتمية على تلك الموضوعية الموهومة؛ لذلك فهو قادر على - أو هو السبيل إلى - تحرير العلوم الإنسانية من خشية السقوط في براثن الذاتية، فالمفهوم اللاحتمي الأعمق للموضوعية الذي يضع في اعتباره متغيرات المعرفة، ولا يسلم بمطلق هو سبيل العلم الفيزيائي الأدق والأجدى؛ لذلك لم تتهيب بقية العلوم من الأخذ به، وفي هذا يقول إرنست هطن: «مع اللاحتمية لن تعود الفجوة بين علوم الطبيعة وبين علوم الحياة والإنسان - كعلم النفس مثلا وهو طرف النقيض مع الفيزياء - لا يمكن اجتيازها كما تصور لنا الحتمية حين افترضت أن التفاعل الضروري بين الملاحظ وموضوع الملاحظة من شأنه أن يفسد نتيجة البحث، فيفشل علم النفس في تحقيق الموضوعية التي لا تستطيعها إلا الفيزياء، الفيزياء على أي حال لم تعد موضوعية بالصورة التي تفترضها النظرة الميكانيكية؛ لأنها لم تعد مطلقة بذلك المنظور، وكنتيجة لهذا لم يعد علم النفس ذاتيا.»

5

وإذا كان اضمحلال تلك الموضوعية الزائفة قد أسهم في إزالة الفجوة بين العلوم الطبيعية والإنسانية، فقد حق إذن حكم هطن بأنها «مكسب معرفي كبير»،

6

ما دامت توحد طريقهما، وتفتح أمامهما إمكانات تقدمية مشتركة، ولا تجعل الثقة في علمية إحداهما تستبعد الأخرى.

والأهم من روح المنهج وشروطه - موضوعية أم ذاتية أم فوق هذا وذاك - هو أسلوب المنهج ذاته ، إن الإحصاء وحساب الاحتمال أسلوب الإبستمولوجيا المعاصرة، فقد أسقطت المثال الأقليدي المفضي إلى نتائج يقينية بتحديداته الفردية، والمستعصي أصلا على العلوم الإنسانية التي يناسبها تماما الإحصاء كما هو مسلم به الآن، والجدير بالذكر أن أقطاب العلوم الإنسانية إبان القرن التاسع عشر، وفي تشوفهم لعلمنة دراستهم، شنوا حربا شعواء على الإحصاء، حتى إن ثمة عالما بلجكيا في الفلك والاجتماع يدعى أدلف كيتليه، أصدر عام 1835 كتابا بعنوان «حول الإنسان وتطور ملكاته، أو محاولات في الفيزياء الاجتماعية» وأعيد نشره عام 1869 تحت عنوانه الرئيسي: «الفيزياء الاجتماعية» كدس فيه كيتليه العديد من المعطيات الإحصائية حول عدة مئات من الظواهر الاجتماعية، ومعطيات ديموغرافية، متسائلا: أفلا تظهر المعطيات المتعلقة بالظواهر الإجرامية مثلا تناسقات وانسجامات لا تختلف عن تلك الملاحظة في علوم الطبيعية؟ فكان الإحصاء عند كيتليه هو المعبر إلى علمية علم الاجتماع، تفكيره إذن متقدم عن عصره الغارق في الحتمية العلمية، بيد أن سلطانها آنذاك حكم عليه أن يروح في طي النسيان، فقد دفعت الحتمية بأوجست كونت إلى ردة فعل جامحة ضد كيتليه، وكما يقول بودون عن كونت: «إذ بينما برهن - أو ظن أنه قد برهن - على انقطاع العلوم جاء كيتليه ليجعل من علم الوقائع الاجتماعية فيزياء اجتماعية مدعيا أنه استعمل المعنى الحقيقي للفظة فيزياء، بينما نعت حساب الاحتمال بأنه سيلاقي عقاب الجماعة.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ٥٤