إن أبرز معالم الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة هي أنها جزمت - منطقيا - أن أي قضية إخبارية بما هي إخبارية، احتمالية ونقيضها ممكن، ولا يقين إلا في القضايا التحليلية الفارغة من أي مضمون إخباري قضايا المنطق الصوري، والرياضيات البحتة، وإذا كانت رياضيات الإحصاء، وحساب الاحتمال هي ألف باء العلم المعاصر، فلا يعني هذا لاحتمية، كما تصور الكلاسيكيون من أن صياغة القوانين باللغة الرياضية الضرورية تؤكد الحتمية، الأمر الذي تبدى الآن أن صياغة القوانين العلمية في أي لغة رياضية لا تعني حتمية أو لاحتمية، فالرياضيات في حد ذاتها محايدة تماما، محض رموز تعبر عن أي مرموز إليه، ونملؤها بالمضمون التطبيقي سواء افترضناه حتميا أو لاحتمي، المهم أن منطق الاحتمال أصبح العمود الفقري للعلم، بعد أن كانت العلية هي العمود والعماد والعمدة، وكما ذكرنا: قوضت النسبية عالمها الميكانيكي.
وفي خضم هذه الأطلال الدوارس اتضح مدى عبثية وسذاجة تصورات الكلاسيكيين العينية لمفاهيم الكتلة والطاقة والسرعة والأبعاد الثلاثة الثابتة، وتحديد أو التنبؤ بموضع وحركة وسرعة كل جسم بدقة فائقة ... اتضح عبثية تصورهم لعالم فيزيقي يمكن وصفه بدقة متناهية، إن لم يكن بواسطة علماء اليوم، فعن طريق علماء الغد، وكما يقول الأمير - أمير نسبا وعلما - لويس دي بروي أبو الميكانيكا الموحية (1892-1987): «لقد ظنوا أن كل حركة أو تغير يجب تصويره بكميات محددة الموضع في المكان والتغير في مجرى الزمان، وأن هذه الكميات لا بد أن تيسر الوصف الكامل لحالة العالم الفيزيقي في كل لحظة، وسيكتمل هذا الوصف تماما بواسطة معادلات تفاضلية، أو مشتقات جزئية، تتيح لنا تتبع مواقع الكميات التي تحدد حالته، ويا له من تصور رائع لبساطته، توطدت أركانه بالنجاح الذي لازمه لمدة طويلة.»
1
إنه المبدأن الحتمي الذي أملاه العلماء في مرسوم مهيب، وانقلب في النهاية إلى اقتراح لا تجيزه الوقائع، فأصبحت الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة بدورها لا تجيزه، إنها إبستمولوجيا لاحتمية لا تبحث عن التحديد الفردي الميكانيكي، بل عن متوسطات الإحصاء، وحساب الاحتمال، هي الآن تسود العلوم
2
الطبيعية باق أن تمتد إلى العلوم الإنسانية، وإلى أقصى درجة ممكنة.
فقد أصبح ذلك المنظور الحتمي البائد منه لا سواه تنشق الهوة الشائعة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية من حيث المنهج، ومن ثم من حيث الثقة في حصائله. أما من حيث المنهج فإن العلوم الطبيعية تعمل بموضوعية مطلقة، الباحث بأدواته دوره سلبي لا يتدخل إطلاقا في موضوع المعرفة، وموضوع المعرفة نفسه - أي ظواهر الطبيعة - مطلق كل ما فيه ثابت، وأي احتمال ذاتي؛ لذلك يصل الباحث إلى قوانين لا استثناء لها، ولا احتمال موضوعيا فيها، قوانين يقينية، ضرورية الصدق، مطلقة العمومة في كل زمان ومكان. أما العلوم الإنسانية فمهددة دوما بالوصمة الذاتية؛ لأن الباحث هو نفسه موضوع البحث، عسى أن يحقق الموضوعية المطلقة، فضلا عن أن عناصر هذا الموضوع خاضعة للتغير من عصر إلى عصر، ومن حضارة إلى أخرى، فلا شيء مطلقا في حياة البشر، ثم إنه موضوع شديد التعقيدات، يستحيل ترجمته إلى بساطة العلاقة الثنائية (علة - معلول) هكذا يجعل المثال الحتمي البون شاسعا بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، والطريق مقطوعا أمام الأخيرة لتلحق بالأولى.
ولكن الآن بعدما أصبح مبدأ اللاحتمية أساس التصور العلمي في الإبستمولوجيا المعاصرة، سقط المثال الحتمي، وسقطت معه الموضوعية الكلاسيكية الزائفة التي تقوم على أساس الإنكار التام للعامل الإنساني في عملية اكتساب المعرفة، ومن أعظم معالم ثورة العلم مبدأ اللاتعين
Indeterminacy Principle