Humanties
ليدل على الآداب والفنون والمسائل المعيارية والقيمية واتجاهات لتفسير النصوص ... إلخ، وكلها مسائل مفارقة للعلم، ولا ينبغي أن تختلط به. وهذا جعلهم يفضلون مصطلح
Social Sciences
للدلالة على مجمل العلوم الإنسانية. وساعدهم في هذا وجود اشتقاق آخر هو
Sociological
ليدل فقط على ما ينتمي لعلم الاجتماع بالذات.
ورحنا نحن ننقل هذا بغير مراعاة للشائع من اشتقاقات لغتنا، فنستخدم الترجمة الحرفية لمصطلح
Social Sciences
أي «العلوم الاجتماعية» للدلالة على مجمل العلوم الإنسانية، ونستخدم أيضا مصطلح «العلوم الاجتماعية» للدلالة على ما ينتمي لعلم الاجتماع؛ أي كترجمة للمصطلح
Sociological
في خلط ينبغي تجنبه عن طريق استخدام مصطلح «العلوم الإنسانية»، وقصر مصطلح «العلوم الاجتماعية» على علم الاجتماع وفروعه. وعلى ذلك التزم هذا الكتاب بمصطلح «العلوم الإنسانية» الأصوب، حتى حين ترجمة الاقتباسات من مصادر استخدمت مصطلح
Social Sciences ، بل وحين الاستفادة من مصادر عربية استخدمت مصطلح «العلوم الاجتماعية» للدلالة على مجمل العلوم الإنسانية.
وأخيرا فضلنا مصطلح مشكلة
Problem ؛ لأنه يفيد تحديدا منطقيا، ما يجعله أفضل من المصطلح المستحدث الذي ذاع استخدامه؛ أي إشكالية
Problematic ؛ لأنه يعني مشكلة تتوالد عنها مشكلات، ما يوحي بالهلامية التي لا يناسبها، ولا يجدي معها منطق.
الفصل الأول
| العلوم الطبيعية منطق تقدمها
بلغ القرن العشرون خواتيمه متوجا بحصاد علمي يتيه به على القرون أجمعين، لقد تفجرت فيه الطاقة التقدمية للعلوم الطبيعية، وفاقت كل معدلات التقدم العلمي المعهودة من قبل بنسبها البسيطة والمركبة. وفور أن انتهى نصفه الأول قيل: «إن أكثر من ثلاثة أرباع علم الفيزياء المعروف لنا اليوم قد أنتجه هذا القرن العشرون.»
1
وفي نصفه الثاني تضاعف هذا النتاج، وما زال يتضاعف. ولحقت بالفيزياء - وهي العلم الطبيعي الأم - بقية أفرع العلوم الطبيعية. ونشأت فروع أخرى، ولا تزال تنشأ.
ولا نحسبن الأمر يعوزه استطراد. فتعملق العلوم الطبيعية «أوضح من شمس النهار» كما قال الأقدمون، لكن الأقدمين قالوا هذا التمثيل مجازا، ونحن نقوله حقيقة ففي إمكان العلوم الطبيعية الآن أن تجعل شمس النهار تتوارى بضع لحظات مثلا أمام التفاعلات الذرية لانفجار القنبلة الهيدروجينية، وهي واحدة من بنات حصائلها المتواضعات. هذه الحصائل تملأ آفاق عصرنا، بدءا من وسائل المواصلات والاتصالات التي قهرت الزمان والمكان، حتى غزو الفضاء، والصحراء. وثورة الهندسة الطبية، فضلا عن الهندسية الوراثية التي تعاظمت معها استطاعات الإنسان، وتتابع أجيال الحاسوب ... إلخ، ومع هذا «سيظل العلم دائما شيئا ما أعظم من تقانة (تكنولوجيا)، وأكثر من فروع للمعرفة. إنه شيء حي، شيء من أشياء المتعة والجمال، يتوشج بطبيعته توشجا داخليا في شئون الحياة، وهو مع هذا شيء مميز عنها، إنه ميدان للخبرة يلعب فيه الخيال دورا كاملا.»
2
لقد قيل إن العلم شيء حي، بمعنى أنه بناء صميم طبيعته الصيرورة. وهو نسق متتالي التوالد والتنامي والتغير، ما يعني أن منطقه منطق نظام ديناميكي، وهو منطق للتقدم المستمر؛ لذلك فحين نقف على خاصية البنية المنطقية للعلوم الطبيعية، سنرى كيف أن نسقها يحمل في صلب طبيعته إمكانية التقدم المستمر دائما استمرارية البحث العلمي. إن هذه الإمكانية متوشجة في صميم البنية المنطقية، حتى أمكن القول إن منطق العلم التجريبي منطق «تصحيح ذاتي» فنجد جاستون باشلار
Gaston Bachelard (1884-1962) شيخ فلاسفة العلم في فرنسا، يؤكد ضرورة الربط بين العلم والفلسفة، ويحرص على تأكيد أهمية الخيال والأحلام الشاعرية للعقل العلمي.
وباشلار يطلق نظرياته ورؤاه النافذة المحيطة بأعماق ظاهرة العلم كشاعر ملهم، يقول: «العلم لا يخرج من الجهل كما يخرج النور من الظلام؛ لأن الجهل ليس له بنية، بل يخرج من التصحيحات المستمرة للبناء المعرفي السابق، حتى إن بنية العلم هي إدراك أخطائه. والحقيقة العلمية هي تصحيح تاريخي لخطأ طويل، والاختبار هو تصحيح الوهم الأولي المشترك.»