وليس «رجحان الصدق» فحسب، بل أيضا كل مفاهيم منطق التكذيب هي الأخرى نسبية، تتعلق بالمناقشة العلمية في الوقت الراهن، فيؤكد بوبر دائما أن «القابلية للتكذيب مسألة نسبية، مسألة درجات».
15
هكذا يتضح أن فكرة القابلية للتكذيب كخاصية منطقية مميزة للنظرية العلمية، كانت ستبدو حمقاء، بل وبلهاء، لو أنها قدمت قبل ثورة النسبية والكوانتم في عصر التفسير الميكانيكي للكون، والذي ألقى نجاحه المبدئي في روع العلماء أن كل ما يحتاجون إليه هو بذل مجهود أكثر لتظهر الحقيقة النهائية في آخر المطاف سافرة على آلة كاملة.
إنهم سائرون صوب الحقيقة النهائية؛ لذلك فكل إنجاز علمي ناجح هو اكتشاف لحقيقة يقينية قاطعة، كيف إذن تداني النظرية إمكانية التكذيب كي تكون علمية؟ وطبعا انهار كل هذا حين تبدى فشل التفسير الميكانيكي للكون، واتضح أن كل إنجاز علمي مجرد محاولة ناجحة، لكنها قابلة للتكذيب؛ لذلك تتلوها أخرى أكثر نجاحا، أولم ننته في الفصل الأول من الكتاب - الخاص بمنطق التقدم في العلوم الطبيعية - إلى أن خلاصة الدرس المستفاد من ثورتي الكوانتم والنسبية هي أن كل تقدم علمي فقط نسبي؛ أي أعلى من المرحلة السابقة، وهذا يعني أن المرحلة التالية بدورها تحمل إمكانية التقدم بدرجة أعلى، بهذا يتبدى جليا كيف أن منطق التكذيب من حيث استيعابه للإبستمولوجيا العلمية المعاصرة، إنما يتمثل آفاق التقدم العلمي المتوالي في تحديده للخاصة المنطقية للنظرية العلمية، أي العامل الثابت فيها من وراء كل تغير، إنه الثبات الخصب الولود، أو الثبات الديناميكي إن جاز التعبير، وإنه لذلك استهللنا هذا البحث بتوضيح كيف أن منطق العلم منطق نظام ديناميكي، منطق للتقدم المستمر أو المتوالي.
وقبل أن ننتقل إلى الفصل التالي من الكتاب، لا يفوتنا التأكيد أن هذا التقدم المتوالي المستمر إمكانية قائمة في العلوم الطبيعية والإنسانية على السواء، ما دامت قادرة على التميز بهذه الخاصة المنطقية.
| هوامش
الفصل الخامس
| التساوق المنهجي للخاصة المنطقية
والآن تتلاقى خطوط البحث عند عامل مشترك أو نقطة ارتكاز، ألا وهي الاستنباط
Deduction ، فهدفنا بالنسبة للعلوم الإنسانية مرحلة تفسيرية أكثر تقنينا وكفاءة، وقد أشرنا إلى أن التفسير في العلوم الطبيعية والإنسانية على السواء - كما أكد كارل همبل وأوبنهايم وطبعا بوبر وسواهم من كبار فلاسفة العلم - إنما يتسم بسمة استنباطية أكيدة، إما استنباطا رياضيا يسود العلوم الطبيعية، وإما استنباطا منطقيا فقط يسود العلوم الحيوية والإنسانية. المهم أن الاستنباط هو الشكل الأساسي للتفسير العلمي، فهو يتكون من شقين: تقريرات جزئية بشأن الظاهرة المراد تفسيرها هي شروطها، ثم العبارات الكلية المطروحة، وهي القوانين العامة، على هذا يتضمن التفسير فئتين فرعيتين مفسرتين، ومنهما معا نستنبط الظاهرة المفسرة، وبغير إمكانية هذا الاستنباط لا يعد التفسير صالحا، ولا بد أن تحتوي المقدمات المفسرة على قوانين عامة هي ضرورية للاستنباط، ولا بد أن تكون متسقة مع ذاتها، وتتبع مبدأ البساطة عن طريق قانون «الاقتصاد في التفكير»، فتكون في أقل عدد ممكن من المتغيرات، على أن أهم ما في الأمر، وما يميز التفسير الفعلي في العلوم الإخبارية، هو أن يكون للقوانين العامة في المقدمات التفسيرية محتوى تجريبي، أي تكون قابلة للاختبار عن طريق الملاحظة والتجربة.
1
هكذا نعود إلى القابلية للاختبار والتكذيب التجريبي، وقد رأيناها هي الأخرى تتسم بسمة استنباطية، إنها معدل للكشف عن علمية الفروض أو النظريات أو القوانين، فلن تثير العبارات الجزئية مشاكل حقيقية بشأن خاصيتها، لكن الطبيعة الكلية للفروض العلمية تعني استحالة مواجهتها بالواقع التجريبي؛ لأنها عامة تتحدث عن أفق لا نهائي، يستحيل حصره في زمان ومكان معينين يمكن إخضاع ما يضمانه لنطاق اختبار تجريبي، وكما أوضحنا الكشف عن كونها قابلة للتكذيب، أو غير قابلة له، يتم عن طريق استنباط عبارات جزئية من الفرض، يسهل مواجهتها بالواقع، وقد رأينا أن كل المعالم الأساسية لمنطق التكذيب في تناول للنظرية العلمية كالحكم بالتكذيب أو التعزيز، ودرجته، ومقاييس المحتوى التجريبي، والمحتوى المنطقي، المطلق والنسبي، ومحتوى الصدق، محتوى الكذب ... إلخ، كلها تعتمد على استنباط، لقد تكرر مصطلح «الاستنباط» في الفصل السابق من الكتاب أكثر من أي مصطلح منطقي آخر.