هذه السمة الاستنباطية للقابلية للاختبار والتكذيب توضح هي الأخرى مدى استيعاب تطورات العلم التجريبي والإبستمولوجيا العلمية المعاصرة، من حيث إنه لا استقراء البتة، فنحن لا نبدأ من معطيات تجريبية، ثم نصعد منها، وفور تعميمها إلى الفروض والنظريات - كما يتصور العلماء الكلاسيكيون - بل العكس تماما هو الصحيح، نحن نبدأ من الفروض، ومنها نهبط إلى التجريب ووقائع الملاحظة المستنبطة منها، لتكون محك الحكم على تلك الفروض، بل وبصفة مباشرة كان رفض الاستقراء نقطة انطلق منها بوبر صوب القابلية للتكذيب كخاصة منطقية تحدد معيارا للعلم، إن فلسفة بوبر تدور حول محور تصر عليه إصرارا هو أن الاستقراء خرافة، والبدء بالملاحظة لا يفضي إلى شيء، ومستحيل منطقيا، ولا توجد أي قضية علمية - ولا حتى لا علمية - يمكن أن تكون محض تعميم لوقائع مستقرأة، وكان يظن في العهد النيوتيني الكلاسيكي أن البدء بالملاحظة معيار ما هو علمي، فالقضية إن كانت محض تعميم لوقائع مستقرأة من العالم التجريبي، فلا بد أن تكون إخبارا عنه، ومن هنا قال بوبر: «إيجاد معيار مقبول للتمييز يجب أن يكون المهمة الحاسمة لكل إبستمولوجي لا يقبل المنطق الاستقرائي.»
2
فكان أن تكفل بهذه المهمة، وتوصل إلى القابلية للاختبار والتكذيب التي هي خاصة منطقية للنظرية العلمية، رأينا كيف تستشرف استمرارية التقدم العلمي، من حيث تتمثل تطورات العلم والإبستمولوجيا المعاصرة.
ذلك أن الافتراق الفاصل بين الإبستمولوجيا العلمية الكلاسيكية والإبستمولوجيا العلمية المعاصرة كما يتبلور في منطق العلم، يتبلور أيضا في منهجه التجريبي:
الإبستمولوجيا الكلاسيكية:
يساوقها منهج الاستقراء
Induction
الذي يبدأ من وقائع الملاحظة، ومنها يصعد إلى القانون.
وطبعا الممثل الرسمي لهذه النظرية هو إيزاك نيوتن بقوله الشهير: «أنا لا أفترض الفروض
Hypotheses non fingo » هذه النظرية تخدم الملاحظة.
الإبستمولوجيا المعاصرة:
يساوقها المنهج الفرضي الاستنباطي
Hypothetic Deductive Method ، الذي يبدأ بفرض ما، ومنه يهبط إلى الوقائع الملاحظة لتحدد مسير ومصير الفرض، وطبعا الممثل الرسمي لهذه النظرة ألبرت أينشتين، الذي يرى أن منهج البحث يتلخص في أن يتخذ الباحث لنفسه مسلمات عامة، أو مبادئ يستنبط منها النتائج، فينقسم عمله إلى جزءين: يجب عليه أولا أن يهتدي إلى المبادئ التي يستند إليها، ثم يتبع ذلك بأن يستنبط من هذه المبادئ النتائج التي تترتب عليها.
3
ويؤكد أينشتين تأكيدا حاسما أن الوقائع التجريبية بمفردها تظل عديمة النفع للباحث ما لم يهتد إلى قاعدة لاستنباطاته.
4
هذه النظرة تستخدم الملاحظة.
إن المنهج الاستقرائي يساوق التفسير الميكانيكي للكون ومبدأه الحتمي، وأيضا يماثله من حيث كونه افتراضا ساد مرحلة مر بها العقل العلمي، كانت مهمة وضرورية في أوانها، ولكن به وبها المزالق والأخطاء والقصورات المعرفية التي تتكشف للعقل العلمي أثناء سيره، أو تقدمه المطرد، فوجب أن يتجاوزها بعد أن أدت دورها، واستنفدت مقتضياتها، ودواعيها، وارتفع التقدم العلمي الذي هو ثوري، إلى مرحلة أعلى مختلفة عن سابقتها، الحق أن استيعاب الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة يرتهن بالرفض المنطقي لمنهاج الاستقراء، وليس هذا أمرا يسيرا؛ لأن الاستقراء أكد حركة العلم الحديث وتأكد بها. •••
فقد انبثق العلم الحديث في مرحلة حضارية ومعرفية تأتت في أعقاب العصور الوسطى، وكانت عصورا دينية حددت معالمها كتب سماوية منزلة، تنطوي على حقائق مسلم بصحتها ويقينها، فيمكن أن نقتصر على استنباط ما يلزم عنها، فكان منهج البحث المهيمن على هذا العصر هو القياس الأرسطي: منهج استنباط القضايا الجزئية التي تلزم عن المقدمات الكلية المطروحة والمتضمنة فيها، ولا جديد، ولا مساس بآفاق المجهول في الواقع الحي.