وقد ميز بوبر أيضا في المحتوى المنطقي، بين المحتوي المنطقي المطلق
Absolute
وبين المحتوى المنطقي النسبي
Relative . فإذا رمزنا لفئة المحتوى المنطقي للعبارة (أ) بالرمز (1) ولفئة المحتوى المنطقي للعبارة (م) الصادقة منطقيا - أي تحصيل الحاصل - بالرمز (م)، ستكون (م) طبعا فئة صفرية فارغة، ويكون التمييز بين فئتي المحتوى المطلق والنسبي كالآتي:
المحتوى المنطقي المطلق للعبارة (أ = 1، م) أي في حالة التسليم فقط بالمنطق، والمنطق قوانين صورية، كلها تحصيلات حاصل، لا تزيد شيئا، فئة فارغة؛ لذلك كان محتوى العبارة مطلقا.
لكن ثمة المحتوى المنطقي النسبي، وهو محتوى العبارة في حالة التسليم بمحتوى آخر، كمحتوى العبارة «أ» في حالة التسليم بمحتوى (ي) مثلا أي بمساعدة (ي)، فيمكن أن نرمز إلى المحتوى المنطقي النسبي هكذا (أ = ا، ي)؛ أي هو فئة كل العبارات القابلة للاستنباط من (ا) فقط بالنسبة لحالة وجود (ي) أو بمساعدة (ي).
المحتوى النسبي له أهمية كبرى في المعالجة الفعلية لمنطق العلم، فإذا كانت (ي) هي الخلفية المعرفية - أي بناء العلم - ولنرمز له بالرمز (ع)، في الوقت الراهن، ولنرمز له بالرمز (ت)، أي أن (ع ت) بناء العلم اليوم، وكانت العبارة (أ) افتراضا مقترحا الآن، فإن ما يعنينا منه هو محتواه النسبي (ا، ع ت) وليس محتواه المطلق، فقط محتوى العبارة (أ) بالنسبة ل (ع) في الوقت (ت)، أي نهتم بالجزء من المحتوى الذي يتجاوز (ع ت) أي بناء علمنا اليوم، ويضيف إليه. ولما كانت المعالجة الفعلية تهتم أساسا بتقديم العلم كان المحتوى النسبي يصلح تماما، فمحتوى العبارة الصادقة منطقيا - أي تحصيل الحاصل - فارغ، من ثم يجعل المحتوى النسبي للعبارة (أ) بالنسبة ل (ع ت) صفرا، إذا كانت (أ) تحتوى فقط (ع ت) أي بناء علمنا اليوم، أو الحصيلة المعرفية الراهنة، ولم تضف أي جديد. هذا إذن محك جيد لاختبار الفروض الجديدة في العلم،
14
وبرهان آخر على مدى ثقوب التكذيب، والمؤسف أن التحقق أكثر شيوعا وذيوعا ربما للإسقاطات المحيقة بالتكذيب، أو الكذب الذي يمثل تماما ما ينبغي على العلم أن يتجنبه.
وبالطبع المنطق هو الوسيلة الناجعة للبرء من كل الإسقاطات، ومعيار التكذيب ينطوي سلفا على أن الصدق هو الغاية النهائية، والمبدأ التنظيمي لشتى الجهود العلمية، وقد تقدم بوبر بتصور منطقي جديد يكفل السير قدما نحو الاقتراب من الصدق أكثر وأكثر، ويجعلنا في مأمن من مغبة أي سمة سلبية قد ترتبط بالكذب والتكذيب، هذا التصور المنطقي هو رجحان الصدق
Verisimilitude
الذي يعني أن النظرية أصبحت أكثر مماثلة للصدق
More Turthlikeness ، وقد توصل إليه عن طريق الربط بين مفهومين هما: مفهوم الصدق، ومفهوم المحتوى المنطقي؛ إذ لا يعني رجحان الصدق إلا «المحتوى المنطقي الأكثر اقترابا من الصدق».
فالنظريات تتنافس في الاقتراب من الصدق، وكل إنجاز علمي هو توصل إلى نظرية جديدة تلافت مواطن كذب في سابقتها، فأصبحت أكثر منها اقترابا من الصدق ؛ ولهذا الاقتراب الأكثر قهرتها وتغلبت عليها، وأزاحتها من نسق العلم، وحلت محلها، من هنا تكون القابلية للتكذيب هي عماد الاقتراب التقديري الأكثر أو الأفضل من الصدق، الذي هو تعبير عن التقدم العلمي المستمر، هذا الاقتراب التقديري الأكثر من الصدق هو ما يسميه بوبر «رجحان الصدق»، ولما كان يعني تلافي مواطن كذب واقتراب من الصدق، كان - أي رجحان الصدق - يزيد بزيادة محتوى الصدق، ويتناقص بزيادة محتوى الكذب.
و«رجحان الصدق» مفهوم نسبي، يتعلق بالمناقشة العلمية المطروحة في الوقت المعين، والمنافسة بين الفروض وبعضها؛ لذلك فهو أساس للحكم بتفوق فرض على آخر، أو نظرية على أخرى، حين تتميز عليها برجحان صدقها، طبعا رجحان صدق النظرية (ن2) على النظرية (ن1) له شروط منطقية، وهي أن تكون (ن1) متضمنة في (ن2) التي تفوقت عليها، وإلا ما أمكنت المقارنة بينهما، وأن تقول (ن2) كل ما قالته (ن1)، ثم تتجاوزها فتفسر جميع الوقائع التي تفسرها (ن1)، ثم تستطيع أيضا أن تفسر بعض الوقائع التي تفشل (ن1) في تفسيرها، ومن ثم ستكون أي معلومة تفند (ن1) تفند أيضا (ن2)، فيكون الحكم بتفضيل (ن2) لا غبار عليه، وأخيرا يجب أن تكون العبارات الصادقة التي يمكن اشتقاقها من (ن2) أكثر من التي يمكن اشتقاقها من (ن1)، والعبارات الكاذبة أقل، وكل ذلك يعني أن (ن2) أجرأ وأغزر في المحتوى المعرفي، أي أكثر قابلية للتكذيب، هكذا يتضح لنا أن النظرية الأكثر قابلية للتكذيب، هي الأقل كذبا. •••