فلا بد أن تنطبق أيضا على محتواهما المنطقي، فإذا رمزنا له بالرمز (م ط) نصل إلى الصياغة الآتية: (2) --- م ط (ن1) > م ط (ن2)
وطبعا نفس المقاييس تنطبق على المحتوى المعرفي بصفة عامة.
وباق أن نضع في الاعتبار التناسب العكسي بين درجة غزارة المحتوى المعرفي التي تعني اتساع فئة المكذبات المحتملة وبين درجة الاحتمالية، احتمالية الصدق، احتمالية تكرار الحدث، المعنى «الموضوعي» للاحتمالية المأخوذ به في العلم المعاصر، وليس البتة المعنى المناقض الذي ساد الفيزياء الكلاسيكية، أي «الاحتمالية الذاتية» التي تعني درجة جهل الذات العارفة في وضعها للنظرية القاصرة مؤقتا لا بد من التخلي التام عن ذلك التفسير الذاتي البائد الاحتمال، لكي ندرك كيف تنطبق نفس مقاييس المحتوى أيضا على الاحتمالية - احتمالية حدوث الحدث - لكن بصورة عكسية، فالمحتوى المعرفي للربط بين العبارتين: أ و ب أعلى من، أو على الأقل مساو لمحتوى أي منهما، فإذا كانت (أ) هي «ستمطر السماء يوم الجمعة» و(ب) هي «سيكون الجو لطيفا يوم السبت» و(أ ب) هي «ستمطر السماء يوم الجمعة، ويكون الجو لطيفا يوم السبت» لكان محتوى (أ ب) التجريبي أكبر من المحتوى (أ) ومن محتوى (ب)، ومن ثم تكون احتمالية صدق أو حدوث (أ ب) أقل من احتمالية (ب)، ومن ثم نصل إلى: (3) --- م ت (أ) < م ت (أ ب) > م ت (ب)
ولما كان هذا معاكسا للقانون المناظر للاحتمالية، فإذا رمزنا للاحتمالية بالرمز (ح) نصل إلى: (4) --- ح (أ) > ح (أ ب) < ح (ب)
الصياغتان (3) و(4) تقيمان الدعوى التي تعد أحد المعالم الأساسية لمنطق التكذيب من حيث تجسيده خصائص العلم المعاصر، أي تزايد المحتوى المعرفي بتناقص احتمالية الصدق، وهذا المطلب الجريء الذي لا يتأتى إلا بالاستيعاب الكامل لتطورات العلم المعاصر وإبستمولوجيته، يقينا من النظريات السفسطائية الخاوية التي يمكن أن يتحقق صدقها بكل حدث يحدث؛ لأنها لا تقول شيئا، ولا تحمل أي خبر يمكنه تكذيبها إن لم يحدث، إنها يقين وفقا للاحتمال الذاتي، وصفر وفقا للاحتمال الموضوعي.
12
ويمكن ملاحظة أن فئة محتوى العبارات العلمية حقا، تتضمن فئتين فرعيتين لها، هما:
فئة محتوى الصدق
Truth Content
وهي كل القضايا الصادقة التي يمكن اشتقاقها من العبارة، وجميع العبارات التي ليست تحصيل حاصل - حتى العبارات الكاذبة - لها محتوى صدق؛ إذ من الممكن استنباط عبارة صادقة من أي عبارة كاذبة، مثلا عن طريق الدالة الانفصالية (ق أو ك) التي تتخذ الصورة المنطقية (إما ق أو ك )، فإذا كانت (ق) هي العبارة الكاذبة، يمكن أن نضيف إليها العبارة الصادقة (ك)، ونستنبط العبارة الصادقة (ق أو ك). ومثال آخر: إذا كان اليوم السبت، فإن العبارة «اليوم هو الأحد» عبارة كاذبة، ولكن يمكن أن نستنبط منها العبارة الصادقة «اليوم ليس الاثنين» و«اليوم ليس الثلاثاء» ... ولعل هذه هي الصورة المنطقية الدقيقة الحاسمة لتلك الحقيقة الميثودولوجية العامة المبهمة «والتي تعد عجيبة وطريفة في الوقت ذاته، ألا وهي أن الفرض قد يكون مثمرا جدا، دون أن يكون صحيحا، وهذا أمر لم يغب عن بال فرانسيس بيكون».
13
فئة محتوى الكذب
Falsity Content : وهي فئة كل القضايا الكاذبة التي يمكن اشتقاقها من العبارة. والحكم بتكذيب العبارة فعلا - وليس مجرد قابليتها للتكذيب - يعتمد على هذه الفئة، وإذا استطعنا أن نجعلها ليست فارغة فقد جعلنا النظرية مكذبة، وهي فئة محتوى ومضمون تبعا للارتباط بين مقاييس المحتوى المنطقي ومقاييس المحتوى التجريبي الذي هو فئة المكذبات المحتملة للنظرية، من الناحية المنطقية صحيح أن العبارة الصادقة محتوى كذبها فارغ، ولكن العبارة الكاذبة محتوى صدقها ليس فارغا تبعا لإمكانية استنباط عبارات صادقة منها، وهذا برهان آخر على مدى ثقوب النظرة التي تقف على أن القابلية للتكذيب، وليس التحقق من الصدق هي المعيار، والخاصة المنطقية المميزة للعلوم.