تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10 •••

وكما يقول بوبر: «إن النظرية التي تقبل مخاطرة التفنيد، أي القابلة للتكذيب ستصف عالمنا المعين، عالم خبرتنا الوحيد، وستفرده عن فئة كلما العوامل الممكنة منطقيا، وبمنتهى الدقة المستطاعة للعلم».

11

كلما ازدادت النظرية في محتواها المعرفي، وفي عموميتها، وفي دقتها، عينت هذا العالم أكثر. إن إمكانية التصادم مع الواقع - أي القول بما قد لا يحدث في الواقع، فيكذب النظرية - هي التي تميز النظرية العلمية، إنها قدرتها على استبعاد، على منع بعض الحوادث المحتملة من الحدوث، وكلما منعت النظرية أكثر أخبرتنا أكثر، وعرضت نفسها لإمكانية انتهاكات أكثر، ومن ثم زادت قابليتها للتكذيب، مثلا أبسط عبارات العلم (الماء يغلي في درجة 100° مئوية) طبعا يمكن مواجهتها بالواقع، ويمكن - منطقيا - ألا يغلي الماء في هذه الدرجة، هي إذن قابلة للتكذيب، لكن نلاحظ أن العبارة تمنع حدوث غليان الماء في أي درجة مئوية أخرى، في 60 أو 80 ... وإذا أضفنا إليها تحديدا آخر وقلنا إن (الماء يغلي في درجة 100° في مستوى سطح البحر) كانت هذه العبارة تخبر أكثر؛ لأنها منعت أكثر. فقد منعت كل ما منعته سابقتها، بالإضافة إلى أنها منعت غليان الماء في 100° فوق سفح جبل أو في هوة سحيقة، أو في أي مكان ضغطه الجوي مختلف عن الضغط فوق سطح البحر، وإذا أضفنا إليها تحديدا آخر، وقلنا (في مستوى سطح البحر يغلي الماء في درجة 100° في الأوعية المكشوفة) كانت هذه العبارة تخبر أكثر؛ لأنها تمنع غليان الماء في هذه الدرجة عند سطح البحر في الأنابيب، أو في المراجل المغلقة، إنها تمنع الأكثر؛ ولهذا قابليتها للتكذيب أكثر.

هذا المثال يوضح كيف ترتبط القابلية للتكذيب بالمحتوى المعرفي ارتباطا مباشرا، يجعل العلاقة بينهما تناسبا طرديا، فمثلا تزيد عمومية

Universality

العبارة بزيادة المحتوى، النظرية الأكثر عمومية ذات محتوى معرفي يفوق محتوى النظرية، أو النظريات الأقل منها عمومية؛ إذ إنها تمنع ما منعته، بالإضافة إلى منع ما جعلها أعم؛ لذلك فهي أكثر قابلية للتكذيب، وهي أيضا أغزر في محتواها المعرفي؛ لأنها تضم محتوى العديد من العبارات التي تعممها، إن العبارة العلمية هي العبارة ذات المحتوى المعرفي الإخباري عن العالم التجريبي، وهي بهذا العبارة القابلة للتكذيب. «والفيزياء هي الأكثر قابلية للتكذيب؛ لأنها الأكثر عمومية.»

المحتوى المعرفي

Informative Content

للعبارة هو محتواها التجريبي ومحتواها المنطقي:

المحتوى التجريبي:

هو فئة المكذبات المحتملة للنظرية، أي العبارات الأساسية التي تستنبط من النظرية، وإن لم تحدث كذبتها، ولما كانت فئة المكذبات المحتملة - أي التي تجعل النظرية قابلة للتكذيب - هي ذاتها محتواها التجريبي، كان المعيار ببساطة يحتم - بل يعني - وجود محتوى تجريبي للنظرية، وماذا نريد من معيار العلم أكثر من هذا؟

المحتوى المنطقي:

كل نظرية علمية لها أيضا محتوى منطقي، ومفهوم القابلية للاشتقاق

Derivability

هو الذي يحدد المحتوى المنطقي؛ إذ إنه من فئة العبارات التي ليست تحصيل حاصل، والتي يمكن اشتقاقها من النظرية أو العبارة، أي فئة معقباتها

Consequences

أو لزوماتها المنطقية، ما يلزم عنها بالضرورة، على هذا تكون تحصيلات الحاصل فارغة بغير أي محتوى معرفي؛ لأن فئة مكذباتها المحتملة فارغة، وأيضا فئة لزوماتها المنطقية فارغة، أي أن محتواها التجريبي، ومحتواها المنطقي كلاهما فارغ، في حين أن جميع العبارات الأخرى التي ليست بتحصيل حاصل، حتى الكاذبة منها، لها محتوى منطقي غير فارغ، وحيثما ترتبط مقاييس المحتوى التجريبي لنظرية ومقاييس المحتوى التجريبي لنظرية أخرى، فلا بد وأن ترتبط أيضا مقاييس محتواهما المنطقي، بالتعبير الرمزي عن هذا نفترض أن لدينا النظريتين: ن1 ون2، ولنرمز للمحتوى التجريبي بالرمز (ت م) و(>) أكبر من، وكان لدينا الصياغة الآتية: (1) --- م ت (ن1) > م ت (ن2)

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ٤١