تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الجهة الأخرى يتضاعف هذا الافتقاد، حين نجد حدود العلوم الإنسانية - وطبعا دونا عن العلوم الطبيعية - إنما هي حدود مستباحة أيضا من قبل الحس المشترك

Common Sense ، أو الفهم الشائع؛ أي الموقف العادي للإنسان العادي. «يؤكد هذا ما نراه في حياتنا اليومية. فكلنا أقررنا بمشروعية العلم الاجتماعي أم أنكرناه، نصدر أحكامنا على ما يواجهنا من مواقف اجتماعية، بل نتطرف في أحكامنا إلى الحد الذي يجعلها مصبوبة فيما يسمى بالقوالب أو الأنماط الجامدة ، فنقسم البشر إلى أنماط أو أصناف تيسيرا للحكم عليهم، وتعجيلا باتخاذ قرارات سريعة بشأنهم؛ لأن ضغوط الحياة لا تسمح لنا بإهدار الوقت والجهد في الدراسة المتأنية، وحسبنا ما يتاح لنا من تلق مستتر نتلقاه من وسائل التنشئة والتربية والإعلام، فضلا عما تمليه علينا مصالحنا المباشرة، التي غالبا ما تتخفى في ثوب أنيق نسيجه المبادئ، والمثل العليا، والقيم الروحية.»

21

هكذا كانت مشاريع العلوم الإنسانية - أو بالأدق حدودها المنطقية - فريسة لتأثيرات عوامل ثقافية تتراوح بين قطبين أو قوسين، هما الأيديولوجية الحضارية المعينة كحد أقصى، والحس المشترك كحد أدنى، وعوامل أخرى تتدرج بين هذا وذاك. جميعها تقع خارج البنية المنطقية للعلم، ولها ثقلها الوبيل على المحتوى المعرفي داخله، فكان حصاد هذا أن قصرت الأساليب والطرائق عند كل فريق «عن استيعاب جوانب الظاهرة الإنسانية والاجتماعية»، فهي إما تميل إلى جانب من آخر، وإما لا تقبل التطبيق إلا عند من سلم أولا بالافتراضات الفلسفية، والالتزامات الأيديولوجية التي صادر بها أصحابها منذ البداية. بيد أننا نجد من وراء هذه الفروق الفلسفية والأيديولوجية ضروبا من الاتفاق المعلن أو المضمر، وهو ذلك الاتفاق حول مصادرات أو مسلمات العلم، مثل افتراض إمكان الفهم والتعميم.

22

هذا الاتفاق المبدئي هو الذي أقام المرحلة الوصفية، وذلك التنازع هو الذي يعوق النجاح المنشود للمرحلة التفسيرية. فذلك التنازع - وبسبب تدخل العوامل الخارجية وضغوطها - على وجه الدقة العامل الذي تسبب فيما أسلفنا الإشارة إليه من تناقض التفسيرات الإنسانية، مقابل تكامل التفسيرات الطبيعية.

إن تكامل التفسيرات الطبيعية يتمخض فعليا وإجرائيا في التساوق والتآزر الجميل، والخصيب المثمر، بين اتجاهات النظرية وممارسات التجريب، مثلا بين الفيزياء النظرية أو البحتة وبين الفيزياء التجريبية أو المعملية. الأولى ترسم للثانية خطاها وتحدد أطرها. والثانية تحمل اختبارات الأولى ومحكاتها وشواهدها، وأيضا مواطن كذبها، بل أحيانا ضرورة تعديلها، أو حتى الثورة عليها، وسرعان ما يستجيب منظرو الفيزياء أنفسهم، كما حدث مثلا حين أثبتت تجربة مكلسون مورلي كذب «الأثير»، وكان ضروريا للفيزياء النظرية الكلاسيكية. وعبر استجابات نظرية عديدة لنتائج هذه التجربة - كمحاولات فيتزجيرالد ولورنتز وسواهما - أتتنا في النهاية الاستجابة العظمى، ألا وهي نظرية النسبية، هكذا يتساوق التجريب والتنظير في الفيزياء، وفي العلوم الطبيعية عموما، فتتآزر الجهود، وتتسارع معدلات التقدم، ويهتف باشلار: «أي تفاهم ضمني يسود الحاضرة الطبيعيانية.»

23

وبالمثل تماما، نجد تناقض التفسيرات الإنسانية يرتد فعليا وإجرائيا في الانفلاق الذي تشهده العلوم الإنسانية بين اتجاهات التنظير واتجاهات التجريب، ما يسهم في تباطؤ معدلات التقدم، والجدير بالذكر ها هنا أنه في الثلث الأول من القرن العشرين ساد علم الاجتماع، بتأثير من المدرسة الأمريكية، خصوصا مدرسة شيكاغو، انكباب محموم على التجريب، وعزوف تام عن التنظير؛ لأنه يذكر الاجتماعيين بالمرحلة قبل العلمية حين كانت المباحث الاجتماعية مشاكل فلسفية. طبعا سرعان ما أثبتت التجريبية المحضة عقمها وقصورها، وربما كانت سيادة البنيوية في المرحلة التالية من مسار علم الاجتماع في القرن العشرين، بمثابة رد فعل عكسي لهذا. وسادت البنيوية أمريكا وأوروبا، وارتفع لواؤها في البحوث العربية أيضا، وكما هو معروف تعتمد البنيوية التجريد غير الرياضي إلى أقصى حد ممكن في بحثها الدءوب عن الهيكل الثابت. والمحصلة لكل هذا أن تزايد في الآونة الأخيرة إحساس الباحثين بالبون الذي أخذ يتسع بين التنظير والتجريب، بحيث أصبحنا «نرى العلوم الاجتماعية صنفين في منهجياتها إما تجريبا مفرطا، وإما تلاصقا مع الواقع، أو بالأحرى فإن الاتجاهين يمثلان قطبين يتمركز حولهما عديد البحوث حسب الاهتمامات، والأغراض المتبعة، والمدارس الفكرية. ومما لا شك فيه أن البحوث الاجتماعية تنفلق حسب هذين التوجيهين الكبيرين: توجه نحو مزيد من البحوث الميدانية، وتوجه نحو تكثيف البحوث البنيوية».

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ٣٠