ولكن الخطورة في النوع الثاني من المؤثرات المتمثل في ضغوط عناصر أخرى للبناء الحضاري تسفر عن تحيزات للمصالح ليس من بينها مصلحة البحث العلمي النازع للوصف والتفسير، أو الفهم والسيطرة. وهذا النوع هو فقط المقصود حين القول باطراد تقدم العلوم الطبيعية لتحررها منه. والآن في عصرنا هذا أصبح هذا النوع من المؤثرات الخارجية - التحيزات لمصالح - مختصا فقط بالعلوم الإنسانية مسببا مشكلتها وافتقادها لتقنين منطقي. ولسوف يعترض جوزيف مارجوليس على أن العلوم الإنسانية فقط تختص بهذه المؤثرات، فهو يتفانى ويتعمق في عرض طويل مسهب، وبلغة شديدة الحرص على الإغراب والتعقيد، ليثبت قضية محورية، مؤداها أن العلم نشاط إنساني. ومن ثم فكل العلوم - ومهما كان موضوعها فيزيقيا أو حيويا - إنما هي علوم إنسانية من حيث هي إنجاز فعلي للإنسان. وهي جميعا لا يمكن تعيين خصائصها تعيينا دقيقا بمعزل عن ملامح الثقافة الإنسانية، والخبرة، والاهتمامات الإنسانية.
18
وكل العلوم - أو بتعبير مارجوليس كل شعاب العلم - في هذا سواء، فلا تغدو الاهتمامات والاحتياجات وسائر العوامل الخارجية في البناء الثقافي والحضاري - مختصة بالعلوم الإنسانية دون الطبيعية، وأبسط ما يقال في الرد على مارجوليس هو أننا الآن معنيون بمنطق العلم لا سوسيولوجيته؛ لذلك لا نبحث في العلوم من حيث هي «إنجاز»، بل من حيث هي بناء منطقي ذو محتوى معرفي، ومضمون إخباري نرومه أكثر كفاءة. وهذه المؤثرات والتحيزات تنطوي على عناصر تصلب تشل أطراف المحتوى المعرفي للعلوم الإنسانية دونا عن الطبيعية.
إن المحتوى المعرفي للعلوم الطبيعية ينصب على ظواهر محايدة لخلوها من الوعي والإرادة، فيمكن للإطار الثقافي والسياق الحضاري - المؤثرات الخارجية أو الأوضاع الخارجية للعلم - أن ترفع يدها عنه تماما. وحين رفض الإطار الثقافي هذا - كما حدث حين فرضية مركزية الشمس لكوبرنيقوس أو فرضية التطور لدارون - انهزم السياق الثقافي تحت وطأة القوة المنطقية للنظرية العلمية. ودرجة التقدم التي تحرزها العلوم الطبيعية الآن، جعلتها تبلغ من العمر رشدا وتنال الاستقلالية الكاملة، وأجبرت كل حيثيات السياق الثقافي أن ترفع اليد تماما عن صميم محتواها المعرفي، وأصبح الآن لا يجرؤ على التدخل في صوغ فروضها أو عناصر نظرياتها، ويقتصر على التفاعل معها مع حصائلها التطبيقية أو تقانتها من الخارج، لتغدو الأوضاع «الخارجية» للعلم تتفاعل معه فقط من «الخارج» فلا يحدث أي اضطراب أو خلط منطقي.
أما بالنسبة للعلوم الإنسانية فالأمر يختلف. وافتقادها للإحكام المنطقي راجع أولا وقبل كل شيء إلى تشابك الإطار الثقافي - أي الأوضاع الخارجية - مع صميم المحتوى المعرفي للعلوم الإنسانية، حتى قيل: «إن الأوضاع الخارجية هي التي أملت على البحث في هذه العلوم اختيار القنوات التي يمكن أن تجرى فيها التصورات عن طريق التحكم في الإنسان وللمجتمع، وتتألف هذه الأوضاع الخارجية من القوى السياسية والاجتماعية إلى جانب البدائل الثقافية الأخرى كالأديان والتقاليد والعرف والفلسفات «وكلها معا تشكل الأيديولوجيات» وبيانات رجال السياسة والإصلاح. فهذه أو تلك تنطوي على تصور معين للإنسان والمجتمع، مثل أعلى تلتزم به مصالحها ويطابق آراءها».
19
وهذه البدائل التي تحظى بالرعاية والتوقير من جماهير الناس وأصحاب السلطان على السواء، جعلت البحوث في العلوم الإنسانية «تتخبط في شعاب متفرقة، وتتخفى فيها شراك الأيديولوجيات».
20
إن المنافسة القوية التي تلقاها العلوم الإنسانية في صلب حلبتها، وفي صميم قضاياها وتصوراتها للإنسان والمجتمع على الإجمال في منطوق محتواها المعرفي داخل بنية العلم، من قبل بدائل ثقافية أخرى تقع في نطاق الظروف الخارجية للعلم هو ما نجم عنه افتقادها للإحكام المنطقي.