تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24

وبالطبع الحال عينه في علم الاقتصاد، وأيضا في علم النفس؛ حيث يبز السلوكيون جميع باحثي العلوم الإنسانية في انكبابهم على التجريب وعزوفهم التام عن التنظيرات، بل حتى عن مناقشة النظرية السلوكية ذاتها! ربما كرد فعل عكسي لما كان من إفراط التحليليين المضجر بشأن الصروح النظرية الشاهقة والسحيقة التي ابتدعها خيال فرويد، وأصر على إقحامها في دهاليز ودياجير مفترضة للنفس الإنسانية. «مرة أخرى نشير إلى علم النفس المعرفي كوسط ذهبي يحمل إمكانية تقدمية بتدارك هذا الانفلاق.»

إن افتقاد التآزر المنطقي السليم بين اتجاهات التنظير واتجاهات التجريب لهو - في آن واحد - علة ومعلول لاضطراب الحدود المنطقية للعلوم الإنسانية، وهو في النهاية تمثل من تمثلات منطق مشكلتها، وحلها ينطوي على تدارك لهذا؛ لأنه شرط ضروري لمعدلات التقدم المنشود؛ ولأنه لا تفسير علميا بغير تنظير ملتحم بالتجريب. فغني عن الذكر أنه لا علم إخباريا أصلا بغير التجريب. أما النظرية فهي البوصلة الموجهة والعقل الهادي الضروري للم شتات المباحث الإمبريقية، لتوجهها وترسم إطارها، بل وترسم خطتها أصلا، فتحدد الوقائع المطلوب ملاحظتها، وبغير النظرية الكفء تغدو النتائج الإمبريقية هشيما يذروه الرياح، لا يعني شيئا، ولا يفضي إلى شيء، خصوصا إذا يممنا الأبصار صوب الهدف التفسيري بنجاح ملموس. إن النظرية الكفء بمثابة التتويج النهائي للمشروع العلمي، وبتعبير مجازي يمكن القول إن البحوث التجريبية والإمبريقية هي جسد العلم، والنظرية هي روحه، وكفاءة الممارسات والإنجازات العلمية تنطوي على كفاءة التوازن والتآزر بينهما، وهذا يعتمد على محكات علمية قوية - سنحاول طرحها - تحدد تخوم الطريق في متصل تقدمي صاعد صوب الهدف العلمي، وهو سيطرة العقل على الظاهرة موضوع البحث، ودائما نهدف إلى أن يكون هذا أعلى من المطروح في وقتنا، ليطرد التقدم العلمي.

الخلاصة أن تناقض التفسيرات في العلوم الإنسانية، ومعها قصور الممارسات سواء تطرفت في التنظير، أو أفرطت في التجريب ترتد إلى تأثيرات العوامل الخارجية المذكورة التي تجعل المشروع العلمي ليس نقيا خالصا، ليس علميا تماما، بل يمتزج ويتشابك مع أمور كثيرة غير علمية. والأرض التي يتأسس عليها المشروع العلمي الإنساني لم تمهد بما يكفي؛ إذ لم تحدد تخومها بدقة منطقية.

إن مهمة العلوم الإنسانية هي دراسة كل نشاط إنساني في كل مجال يزاوله الفرد أو الجماعة في الفكر والعمل، دراسة إخبارية؛ أي تهدف إلى الوصف والتفسير، ومن ثم التنبؤ والتحكم، تماما كما تهدف العلوم الطبيعية. ومع هذا فكما قيل بحق: «لا ريب أنها تختلف عن العلوم الطبيعية؛ لأن موضوعها العام هو «الإنسان في المجتمع إزاء العالم» فهي بذلك لا تستطيع أن تعتصم بعزلتها بحجة التخصص العلمي الدقيق، ولا بد أن تجد نفسها منخرطة في صميم الواقع الإنساني الاجتماعي، غير أن هذا يوجهه الالتزام العلمي بقدر ما كان يسيره نفوذ عناصر أخرى خارج العلم، وبذلك جاءت أنساقها مفتوحة الطرفين تدلف من قمتها الفلسفات أو الأيديولوجيا أو التقويمات، وتتسرب من قاعدتها التعميمات التجريبية دون أن تؤسس رصيدا متفقا عليه من الفروض المتحققة.»

25

ومن أوضح هذه التمثيلات على هذا هو النظرية في علم الاجتماع الذي يتميز بطبيعة خاصة، فهو يتعامل مع النسق الاجتماعي - نسق الأوضاع الإنسانية - حيث تتفاعل شتى الجوانب ككل متكامل، وكل علم من العلوم الإنسانية ينفرد ببحث جانب معين من جوانب هذا النسق أو النشاط. إن علم الاجتماع أكثر العلوم الإنسانية عمومية، شأن الفيزياء البحتة في علوم الطبيعة الجامدة والحية، وفي نسق العلم ككل. إنه - أي الاجتماع - الإطار المنطقي الضام لشتى مباحث العلوم الإنسانية، ونظرا لاتساع المدى المنطقي لعلم الاجتماع كانت النظرية الاجتماعية أكثر من سواها من نظريات فروع العلوم الإنسانية نهبا مستباحا للمؤثرات الثقافية الخارجية، بحيث أصبحت في حقيقتها خليطا يجمع بين الأيديولوجيا وبين الفلسفة والقيم الحضارية، بل والأهداف المعيارية وتصورات الحياة اليومية، وأحكام الحس المشترك، وبغير أن يصب هذا في إطار أو قالب منطقي مقنن؛ لذلك لا نجد نظرية اجتماعية علمية بالمعنى الدقيق، وقد أوضحنا هذا حين توقفنا لمناقشة النظرية الوظيفية، وأشرنا إلى سليلاتها، وحاولت السوسيومترية تدارك هذا بالإفراط في التجريب، أو معالجة الخطأ بالخطأ المضاد.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ٣١