تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وابتغاء للدقة في هذه القضية المهمة لا بد وأن تميز بين نوعين من المؤثرات. النوع الأول هو المحددات الحضارية والثقافية التي تعبر عن مستوى وعي العصر، أو ما وصلت إليه المعرفة الإنسانية في مرحلة معينة.

والنوع الثاني هو المؤثرات التي تعبر عن تحيز حضاري أو ثقافي أو اجتماعي. فالنوع الأول شأنه شأن القصور العلمي في مجال جمع المعلومات، وتصنيفها وإجراء أنواع من الحسابات عليها، فهو مشروط مثلها بمرحلة معينة من تطور العقل البشري، ويتم التغلب عليها خلال الزمن بتراكم الجهد الإنساني. أما النوع الثاني فلا يؤدي اكتشافه إلى التخلص منه؛ لأنه يعبر عن مصالح.

12

مصالح أمة، أو نظام، أو طبقة، أو مصالح أقل عمومية من ذلك. قوة وفاعلية النوع الأول من المؤثرات - أي مستوى الوعي المعرفي في العصر - واضحة تماما على منطق العلم ومنهجه، وأيضا سوسيولوجيته. وقد ازدادت وضوحا في ضوء ثورتي الكوانتم والنسبية. إن هذا النوع من المؤثرات يحدد الأطر والآفاق المستهدفة في العلوم الطبيعية، وأيضا الإنسانية، ويذهب جوزيف مارجوليس «إلى أن هذا النوع من المؤثرات يبرر القول بأن العلوم الفيزيائية ذاتها هي مشاريع أو مغامرات. فإذا كانت تفترض على وجه الدقة وجود عالم فيزيقي مستقل، فإنها أولا وأخيرا تقبع داخل تساؤلات باحثين من البشر المثقلين بالإثقالات الثقافية».

13

ويقول مارجوليس إنه في هذا يأخذ برأي توماس كون في «بنية الثورات العلمية» بأننا يمكن أن نتساءل عن عالم مستقل، ولكننا لا يمكن أن نقيم طبيعته بوصفه مستقلا عن تساؤلاتنا.

14

والواقع أن هذا التصور ليس قصرا على كون ومارجوليس أو سواهما، بل هو عام في الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة، حتى يذهب جاستون باشلار إلى أن الذات في العلم ذات تاريخية. فتقدم العلم المتتالي الذي عرضنا له في الفصل الأول من الكتاب، وأوضحنا كيف أنه بصميم طبيعيته غير منته، ولن يتوقف أبدا، ذلك يعني - كما يقول فيرنر هيزنبرج - «أن بناء أو نظريات العلم في أي مرحلة ليست سوى حلقة من السلسلة اللامتناهية لحلقات الحوار بين الإنسان والطبيعة، ولم يعد من الممكن أن نتحدث ببساطة عن طبيعة بحد ذاتها. علوم الطبيعة إذن تفترض سلفا وجود الإنسان، وعلينا كما يقول بور

Bohr

أن نأخذ في الحسبان أننا لسنا المشاهدين، بل الممثلين في مسرح الحياة.»

15

وإذا كان عالم نيوتن تلك الآلة الميكانيكية التي تسير وفقا لقوانينها الذاتية، وبفعل عللها الداخلية في زمان ومكان مطلقين بإزاء أي مراقب في أي وضع كان، وبأي سرعة كانت، وكل ما عليه فقط أن يراقبه من وراء ستار إذا كان هذا هو عالم نيوتن، فإن عالم النسبية ليس هكذا البتة، ولا بد لنا من خلق أو على الأقل تحديد منظور وسرعة المراقبة. ولا تتأتى الملاحظة أصلا في العالم الكمومي - عالم الكوانتم - بغير فرض يفترضه العقل، ويستنبط منه وقائع الملاحظة.

16

وهكذا أصبحت فصول المسرحية العلمية تنبثق من قلب الواقع الإنساني بحدوده المعرفية، وأصبح العلماء - كما أشار بور - ليسوا فقط مراقبين، أو مشاهدين، بل هم أيضا الممثلون والمخرجون والمؤلفون؛ لذلك حق قول مارجوليس بأن العلوم الفيزيائية مغامرة. وطبعا العلوم الإنسانية هي الأخرى مغامرات أو مشاريع بهذا المعنى الذي ينطلق من قلب الحدود المعرفية للعصر المعين. فمن الواضح أن العالم التاريخي الاجتماعي للإنسان لا يمكن تأويله، أو مجرد فهمه فهما معقولا بوصفه منفصلا - ولو من حيث المبدأ - عن الأهليات والإمكانات الاستقصائية المتاحة في عصر معين،

17

أو ما أسميناه: مستوى الوعي المعرفي للعصر. إذن فهذا نوع من المؤثرات، ومن أي وجهة للنظر، مشترك بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية على السواء، والأهم أنه نوع لا خطورة منه، بل إنه يحمل البعد المقابل في جدلية التقدم العلمي المستمر.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ٢٨