30
على الإجمال نجد التفسيرات المدعاة للوظيفية تفتقر إلى المحتوى المعرفي، ما أدى إلى الحكم بأنها تنزع إلى التفسير الغائي بافتراضها فروضا غير قابلة للاختبار؛ أي أنها محاولات غير علمية، والبنيوية هي الأخرى تلقى نقدا مريرا؛ لأن بعض فروضها غير قابلة للاختبار التجريبي. لقد توقفنا عند الوظيفية؛ لأنها معبرة عن اتجاه علم الاجتماع المخلص في اقتفاء أصوليات المنطق التجريبي، الذي يمتد من الوضعية وحتى البنيوية، والوضعية الجديدة أو المحدثة في الربع الثاني من القرن العشرين، والاتجاه السوسيولوجي الأمبيريقي والسوسيوميترية ... إلخ؛ وذلك لكي تعطينا الوظيفية تمثيلا عينيا شاهدا على تعثر الدراسات الاجتماعية في طريقها نحو النظريات التفسيرية العلمية حقيقة، فنكون على بينة حية من جزئية معبرة، حين نتناول في الفصل التالي من الكتاب إشكالية المنطق التفسيري للعلوم الاجتماعية، وافتقار النظرية الاجتماعية من حيث هي هكذا للتقنين المنطقي الدقيق، الذي يجعلها علمية حقا.
ومن المهم أيضا أن نكون على بينة من أن تلك الاتجاهات؛ أي السلوكية والوضعية وسليلاتها ... إلخ، في محاولتها الإخلاص لمثاليات العلم التجريبي، الكلاسيكي، تبنت الإمبيريقية المتطرفة بحماس فائق، على حساب طبيعة العلم المبدعة الخلاقة، وطبيعة الظاهرة الإنسانية على السواء، فراحت تواجه مشكلة التخلف النسبي للعلوم الإنسانية بالعود المباشر إلى الوقائع التجريبية الملاحظة إمبيريقيا، وهذا ليس حلا للمشكلة، بل على العكس هو المشكلة عينها؛ لأن الوقوف على الواقعة التجريبية فقط، يعني في حد ذاته عدم القفز إلى المرحلة التفسيرية ، اكتفاء بالوصف.
إذن، نخلص مما سبق إلى تحديد مشكلة العلوم الإنسانية، أو منطق تخلفها النسبي عن العلوم الطبيعية فقط بعجزها عن بلوغ المرحلة التفسيرية المقتدرة، أو بالأدق اضطراب محاولاتها التفسيرية، وافتقارها للتقنين المنطقي، كما أشار هومانز ليس ثمة كلمة تستخدم في العلوم الإنسانية أضخم وأجل من كلمة «النظرية»، ولكن نادرا ما يسألون أنفسهم: ما النظرية؟ إن النظرية تفسير لظاهرة، وكل شيء ليس تفسيرا لا يستحق اسم «نظرية».
31
وهومانز يتفق معنا على أن صعوبات العلوم الإنسانية تقع في التفسير أكثر منها في الكشف أو الوصف، وأن المشاكل المميزة للعلوم الإنسانية هي مشاكل التفسير.
32
ذلك أنه بينما تتكامل التفسيرات في العلوم الطبيعية، أو يتجاوز بعضها البعض في متصل التقدم الصاعد، وعلى أقصى الفروض يميل تفسير إلى التأكيد على زاوية دون الأخرى، نجد التفسيرات في العلوم الإنسانية تتنازع وتتناقض، وقد تبلغ حد التضاد الصريح، ومن أوضح الأمثلة على هذا تحليلية فرويد وسلوكية واطس، اللتان احتلتا قصب السبق في علم النفس في نفس الفترة التاريخية، وتنازعتا نفس الحلبة، وعلى حين نجد خطأ التفسير التحيلي في أنه يبالغ في تعميق الظاهرة النفسية وتعقيدها، نجد خطأ التفسير السلوكي في أنه يبالغ في تسطيح الظاهرة النفسية وتبسيطها، وإن كان تبسيطا لحساب منهج العلم وإبستمولوجيته.
وتعجز التفسيرات المطروحة في العلوم الإنسانية عن التكامل؛ لأنها تفتقر إلى الخصائص المنطقية الدقيقة. لسنا نقصد إنكار أي قيمة لها، أو الحط من شأنها، أو أنها محض هراء أو لغو! كلا بالطبع فلا شك أنها تضمنت محاولات جسورة جبارة، ولكن ينقصها شيء من الدقة لتكون مثمرة حقا. بعبارة أخرى، يغدو التقنين المنطقي الدقيق للتفسيرات في العلوم الإنسانية كفيلا بأن يجعلها تتجاوز الكثير من تخلفها النسبي عن العلوم الطبيعية.
على هذا النحو يتأتى تحديد منطق التخلف النسبي للعلوم الإنسانية، فقط بافتقاد المرحلة التفسيرية تقنينا منطقيا أدق. فلا يوجد البتة أي مسوغ منطقي لتطرف البعض، حتى يذهب إلى أن مشكلة العلوم الإنسانية «هي أنها ليست علوما»، فلا يعود السؤال المطروح: كيف يمكن مواجهة تخلفها النسبي أو معوقات تقدمها؟ بل يصبح: هل يمكن أصلا قيام علوم إنسانية، وسرعان ما تأتينا الإجابة بالنفي.