26 «لتوضيح وإثبات ذلك راجع
الفصل السادس
من هذا الكتاب»، ومن علماء النفس ننتقل إلى الشق الثاني من عمداء العلوم الإنسانية؛ أي علم الاجتماع. لنجد الوظيفية بالذات قد قامت هادفة الإضافة إلى مسلمات الوضعية، بما يكفل إحراز الهدف التفسيري العلمي، رافضة التفسيرات الغائية التي تفسر الظاهرة بأهدافها المستقبلية على عكس منطق العلم العلي - الميكانيكي - الذي يفسر الظاهرة بعللها السابقة، أو بماضيها، فكانت الوظيفية منهجا لتفسير الظواهر أو الأحداث والأنظمة الاجتماعية عن طريق ذكر الوظيفة التي تؤديها. وتركز على فهم المجتمع باعتباره مجموعة من الأنساق المرتبطة بعلاقات، فيكفي التفسير الرجوع إلى الوقائع الملاحظة، ولسنا في حاجة إلى المخيلة أو الحدس.
27
ويعتبر مالينوفسكي
B. Malinowski (1873-1920) أبو الوظيفة؛ لأنه أول من استخدم «الوظيفة» للتعبير عن منهج معين، أو اتجاه للبحث. لكن الوظيفة دخلت علم الاجتماع من خلال تدريس ردكليف براون
A. R. Redcliffe Brown (1881-1955)، ثم قويت بفضل تالكوت بارسونز
T.
Parsons (1902-؟) وظهر في أعمالهما مفهوم البنية بجانب الوظيفة، وأصبح «الوظيفي - البنيوي» هو الإطار العام للتفسير المنشود في علم الاجتماع، ورأى ردكليف أن المشكلة هي إمكان التوصل إلى علم طبيعي للمجتمعات الإنسانية. ومعنى ذلك تطبيق نفس الطرق المنهجية، والمنطقية، المستخدمة في العلوم الفيزيقية والبيولوجية على ظواهر الحياة الاجتماعية الخاصة السياسية والاقتصادية وعلى الفنون والعلوم وعلى اللغة «ذلك بهدف التوصل إلى صيغ دقيقة علميا، من التعميمات المحتملة ذات المعنى»،
28
والحق أن فكرة «الوظيفية» عن النسق «العضوي» للمجتمع و«الوظيفية الحيوية» تداني بينها وبين تحقيق العلم الطبيعي بالمجتمع.
فهل قفزت الوظيفة بعلم الاجتماع إلى مرحلة التفسير العلمي الناضج المقنن منطقيا؟ في الإجابة عن هذا نلاحظ أن الوظيفة في خاتمة المطاف نظرية اجتماعية، وسوف نرى أن الخلل المنطقي في حدود النظرية الاجتماعية بصفة عامة من أشد ما يدفعنا لمحاولة تلمس التقنين المنطقي لإقالة العلوم الإنسانية من تعثرها في المرحلة التفسيرية. وثانيا نلاحظ أن الوظيفية - بصفة خاصة - يؤخذ عليها أن مفهوم الوظيفة غير محدد، وأنها تحيز أيديولوجي محافظ يهدف إلى إبقاء الوضع القائم، ما يجعلها تنكب بلا موضوعية على تفسيرات استاتيكية واستقرارية للمجتمع، وأنها من ثم تنطوي على تقدير غير متناسب لدور الأنظمة المغلقة في الحياة الاجتماعية، تفشل في تناول مشكلة التغير الاجتماعي بنجاح، فتعجز عن تفسير ظواهر من قبيل الصراع والتفكيك، فربما استطاعت أن تفسر جيدا لماذا تستمر الأشياء، لكنها لم تفسر أبدا لماذا تتغير؟ إنه نفس المأخذ الذي كان يؤخذ من قبل على الوضعية. بينما يؤخذ على الماركسية مغالاتها في تفسير التغير، ومن ثم عجزها عن تفسير الثبات النسبي الذي تتمتع به بعض الأنظمة الاجتماعية. وقد يبدو أن البنيوية تمثل الوسط الذهبي في هذا الصدد، من حيث إنها تنص على التحول
Transformation
بجانب الكلية والضبط الذاتي. وسرعان ما يخيب هذا الأمل حين نجد أهم أعلامها، ألا وهو كلود ليفي شتراوس - أعظم من قام بتطبيقها خصوصا في الأنثربولوجيا - يؤكد أن صلب المنحى البنيوي ليس شيئا أكثر من «البحث عن الثابت، أو هو البحث عن العناصر الثابتة فيما بين الاختلافات السطحية»،
29
وقد ظلت البنيوية دائما أقرب إلى الطابع المحافظ السكوني المناهض لديناميكية الماركسية. وبرفقة الماركسية يقف التيار النقدي في علم الاجتماع الأمريكي (على أن نفصل بين الماركسية كمدرسة علمية وبينها كمشروع سياسي). والذي يعنينا الآن أن الوظيفية التي انتقيناها مثلا تعجز عن التفسير العلمي بسبب اهتمامها منذ البداية بقضايا خاصة بشروط التوازن الاجتماعي، هي قضايا لا يمكن أن تشتق منها نتائج نهائية في نسق استنباطي، ويؤكد إرسنت ناجل استحالة اعتبارها تفسيرا لافتقارها إلى الاتفاق مع الأدلة التجريبية المتوافرة، وهناك أدلة على أن المجتمعات ليست أنساقا عضوية مغلقة كما تدعى الوظيفية.