تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33

هذه الإجابة المتطرفة عادة ما تستند في إنكارها لإمكانية العلوم الإنسانية على أساس من التسليم المبدئي بأن العلم لا يكون إلا في صورة العلم الدقيق

exact science

الذي يتحول إلى صورة نسق رياضي يخلو من أي ألفاظ كيفية، ولا يتحدث إلا بالرموز والأعداد، ويا حبذا لو راحت الفوارق الشكلية بينه وبين الرياضة. فذلك هو شأن الفيزياء البحتة التي تستنبط من معادلاتها فقط بالأساليب الرياضية ما لا يكشف عنه الواقع التجريبي إلا بعد سنوات، كما حدث حين توصل ديراك

Dirac

بالمعادلات الرياضية إلى ضديدات الجسيمات الذرية

Antiparticles ، ثم أثبتتها التجارب بعد ذلك بسنوات، أو كالنيوترون، توقعه العقل نظريا، ثم وجده تجريبيا بعد ثلاثين عاما،

34

وجسيمات أخرى للذرة

w. z.

ومن قبل لم يطرح كوبرنيقوس فرضية مركزية الشمس إلا على أساس حجة وحيدة، هي حجة البساطة الهندسية وبساطة الاستدلالات الرياضية، فهي أبسط من مركزية الأرض البطلمية، وإذا أضفنا إليها فرضية أن الأرض تتحرك، سنكون أقدر على تفسير الظواهر الفلكية، ولم تتأت الشواهد التجريبية إلا بعد وفاة كوبرنيقوس مع ملاحظات تيكو براهة، وجاليليو عن وجه الخصوص. هكذا تتصدر الرياضيات الجبهة الأمامية في معركة العلم الدائمة لفرض سلطان أكبر على الطبيعة الفيزيائية.

ولئن كانت الفيزياء الحديثة ذاتها مرت بمرحلة معينة من تاريخها - تتحدد بمنتصف القرن الثامن عشر - سادتها فكرة «تعتمد على الوثوق بالتجربة أكثر من الرياضيات باعتبار الرياضيات شديدة الحصر ما يصعب قراءتها للطبيعة»

35

فعم الانكباب على التجربة، وتراجعت الرياضيات للدرجة الثانية. وراح ديدرو - وهو من زعماء الموسوعيين الفرنسيين ذوي الاتجاه العلمي القوي - يشكك في طبيعة الرياضيات وجدواها؛ لأنها تقطع الصلة بالتجريب. وساعد على هذا دفقة التقدم المذهل في الميكانيكا، حتى شهدت تلك المرحلة ميلاد «الحرفي العالم» المعروف باسم المهندس، وأصبحت الورش الصناعية هي ملتقى العلماء، ومكان تجمعهم وعملهم، ومناقشاتهم ومسامراتهم،

36

حتى ينعت جيمس جينز هذه المرحلة باسم «عصر العالم المهندس»

37 ... لئن كان هذا حقا، فنحن نقول إنه ظاهرة سطحية لتفجر نجاح الميكانيكا النيوتونية التي هي أصلا نظرية رياضية. ثم إنها مرحلة - بل ظاهرة - محدودة من تاريخ علم الطبيعة الحديث. والآن في القرن الحادي والعشرين لم يعد ثمة جدال طبعا في أن الفيزياء البحتة بلغت أعلى درجة من الدقة مسلحة باللغة الرياضية، أو حتى لأنها هكذا. فهذه خاصة أساسية من خواص العلوم الطبيعية أن لها قطبين فلسفيين هما وقائع التجريب، ولغة الرياضيات بتعبير باشلار الذي يعرف الطبيعيات بأنها «حقل فكري يتعين برياضيات وتجارب، كما ينشط إلى أقصى حد في اقتران الرياضيات والتجربة».

38

ما يحدد الطبيعيات بأنها أبنية تركيبية

Synthesis

ذهنية، هي تجريدية عينية. من الناحية الأخرى لا شك أيضا - وإطلاقا - في كفاءة اللغة الرياضية؛ لأنها أدق لغة امتلكها الإنسان، أو قل: إن كل لغات الإنسان طرا متساوية، ولا توجد لغة أدق وأكثر صرامة من غيرها. فما دام ثمة بشر متحضرون ارتضوها وسيلة لما بينهم من إشارة وتعبير ووصف وجدل ونقاش ... فلا بد أنها قادرة على هذه المهام المنوطة باللغة أي لغة، عدا لغة المنطق الرمزي وسليلته الرياضيات، فهذه ليست أدق لغة امتلكها الإنسان فحسب، بل إنها اللغة الوحيدة الدقيقة، وكل ما عداها سواء.

وعلى الرغم من كل هذا، فإن اصطناع اللغة الرياضية في صياغة الفروض والاستدلالات والأنساق العلمية، ليس في حد ذاته هدفا، بل هو وسيلة الضبط، التي تواءمت تواؤما كاملا مع موضوع الفيزياء، ودرجة تقدمها، ولكن إن تعذر عليها التواؤم مع موضوع البحث، وأمكن تحقيق الضبط لدرجة كافية بوسائل أخرى، فلا ينبغي أن نتشبث بالوسيلة (اللغة الرياضية) إلى الدرجة التي تلهي عن الغاية (المرحلة التفسيرية المقتدرة)، أو إنكار إمكانية بلوغها.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ٢٢