وأهم ما يعنينا منها الآن أنها جعلتنا ندرك خطل غرور الكلاسيكيين الذي يوصد أبواب التقدم ، خطل الحكم على أي محاولة ناجحة ينجزها العقل البشري بأنها اليقين المطلق، الإمساك بجمع اليدين على الحقيقة، والوصول إلى خاتمة التقدم المنشود، وأن الأوان أوشك أن يئون للهجوم والبرء من سعينا المحموم الدائم نحو درجة من التقدم العلمي الأبعد ... إن هذا التصور الإبستمولوجي لحدود التقدم ارتد فعليا في صورة الطريق المسدود الذي وصلت إليه الفيزياء الكلاسيكية، حين تطرقت لظواهر العالم الأصغر (الميكروكوزم).
فليس الأمر أننا اكتشفنا حدود نيوتن، وأن أينشتين هو الذي أمسك بالحقيقة. كلا، بل الأمر أن نيوتن محاولة ناجحة، وأينشتين محاولة أنجح. والمستقبل مفتوح بدوره لمحاولة أفضل من أينشتين، فقد أدركنا أن الآفاق المفتوحة أمام العقل العلمي لا حدود لها.
ولنعد إلى رفيقة النسبية، ميكانيكا الكوانتم التي أزاحت وهم اليقين الكلاسيكي، وأحلت المصادفة والاحتمال في بنية الطبيعة. لنجد أن العلم الاحتمالي بقوانينه الإحصائية لن يصل هو الآخر إلى مثل ذلك الطريق المسدود. فكما يقول موريس كوهين: «النظرة الاحتمالية تصوب وتثري مفهومنا عن الأسس الميتافيزيقية التي يرسو عليها البحث العلمي، إنها تجعلنا أقل غرورا، وتفضي بنا إلى ضرورة تأييد استدلالاتنا باعتبارات عديدة مختلفة، بدلا من الارتكان إلى سلسلة علية واحدة، وتجذب انتباهنا إلى حقيقة عظمى مؤداها أن نتائج العلم تصوب نفسها باستمرار. فيقين العلم ليس اليقين المطلق في أي نتيجة معينة، بل اليقين في أن كل خطوة غير دقيقة أو خاطئة يمكن تصويبها.»
40
إن الدرس العميق الذي تعلمناه من ثورتي الكمومية
Quantum
والنسبية
Relativity
أن كل تقدم علمي فقط نسبي، والنسبوية
Relativism
تعني الحدود المؤقتة للقوى المعرفية للبحوث الإنسانية المنصبة على هذا العالم الفيزيقي الذي نحيا فيه.
41
هذه النسبوية
Relativism
تجعل كل تقدم علمي يحرزه الإنسان، ومهما ثبت نجاحه هو فقط أعلى نسبيا من المرحلة السابقة ... معنى هذا أن المرحلة التالية تحمل معها إمكانية التقدم بدرجة أعلى، هكذا دواليك إلى قيام الساعة، أو على الأقل إلى حين انتهاء الحضارة الإنسانية الراشدة التي أصبحت علمية. وهذا الدرس الإبستمولوجي المنطقي الميثولوجي العظيم يتأكد فعليا بالإنجازات العظمى المتواترة للعلم المعاصر، المتدفقة حتى هذه اللحظة وما سيتلوها .
على الإجمال: أصبحت الكمومية (الكوانتم) والنسبية معا الأساس العام، أو البحث للفيزياء المعاصرة، ومن ثم لنسق العلم الطبيعي في القرن العشرين، فكانتا - بإبستمولوجيتهما العلمية الجديدة أو المعاصرة، وسنفصلها في الفصل السادس من الكتاب - إيذانا بمعدلات التقدم المبهرة التي استهللنا هذا الفصل من الكتاب بالتنويه إليها. ونختمه أيضا بهذا التنويه ... مسك الختام.
| هوامش
الفصل الثاني
| العلوم الإنسانية منطق تخلفها النسبي
نأتي للعلوم الإنسانية، لنلقاها هي الأخرى - بلا جدال - تحمل في حد ذاتها ما يضاف إلى الرصيد العلمي للقرن العشرين، لكن (وهذه ال «لكن» هي محور دراستنا) لم يتكون بعد نسق متكامل من القوانين التفسيرية في أي مجال من مجالات العلوم الإنسانية، يماثل من حيث القوة المنطقية أنساق القوانين التفسيرية في أقل فروع العلوم الطبيعية حظوة من التقدم.
وهذا التخلف النسبي هو أساس ما يعرف بمشكلة العلوم الإنسانية، إنها إشكالية ملحة، تؤرق باحثيها والمهتمين بشأنها أجمعين. ويندر أن يتعرض عمل لفلسفة العلوم الإنسانية ومناهجها، ولا يشير إلى تخلفها النسبي عن العلوم الطبيعية، حتى قيل إن وجود علوم طبيعية على أساس منطقي مقنن ومنهجي راسخ، مثل بالنسبة لباحثي العلوم الإنسانية «التحدي الذي ينبغي عليهم مواجهته للوصول بعلومهم إلى مستوى يقارب مستوى العلوم الطبيعية».