تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

35

وكل بحث مستقبلي استشرافي في منطق العلم عقيم غير مجد إن لم تستنفد طاقته في استيعاب الدلالة الإبستمولوجية لثورتي الكمومية والنسبية. وحتى الآن لم تستجل بعد كل مضامينها المنطقية، وإمكاناتها التقدمية للعقل العلمي. ويكفينا ها هنا أن هذه الثورة هي التي ساعدت على جلو الخاصة المنطقية للعلوم الطبيعية وتساوقها المنهجي.

وقد تأكدت الإبستمولوجية العلمية الجديدة، واتضحت معالمها حين تقدمت عام 1927 نظرية الكمومية الجديدة، لتجتاح الكمومية العالم الذري، وتصبح الفيزياء الذرية هي الفيزياء الكمومية؛ حيث ثبت أن كشف بلانك الألمعي المدهش هو أعظم نصر أحرزته الفيزياء الذرية والأكثر جدة وأصالة. وكما يقول لويس دي بروي، أبو الميكانيكا الموجية التي تعد من أجرأ الخطوات التقدمية التي أحرزت في ظل الكمومية (الكوانتم) يقول: إن فرضية الكوانتم «لم تكن محض مثير أو دافع للفيزياء الذرية التي هي أكثر فروع العلم حيوية وطموحا، ولكنها أيضا وبلا جدال قد وسعت الآفاق، وطرحت عددا من أساليب التفكير الجديدة، وستظل نتائجها العميقة في المستقبل البعيد للفكر البشري.

36

لقد أدرك الفيزيائيون - والحديث ما زال لدى بروي - أنهم بغيرها كانوا سيظلون عاجزين عن فهم استيعاب أي شيء بخصوص الطبيعة الحقة للظواهر الفيزيائية لا ظواهر الضوء، ولا ظواهر المادة».

37

على أن الكوانتم الكمومية تقتصر على العالم الأصغر، عالم الإشعاع والذرة. وتأتي النسبية - النظرية الفيزيائية البحتة - لتحيط بمجمل الكون الفيزيائي - العالم الأكبر - «ولتعبر عن الواقع الفيزيائي الذي نعيش فيه بشكل تعجز الفيزياء الكلاسيكية عن التعبير عنه».

38

لقد حطمت النسبية أطر آلة نيوتن الميكانيكية العظمى، وشيدت لنا عالمها الرباعي الأبعاد بمتصله الزماني، المكاني. إنه عالم، أو بالأحرى تصور لعالم محدب، يختلف بل يتناقض مع عالمنا المستوي الواحد والوحيد، المعهود في تجربة الحس المشترك، والذي ثبتته في أذهاننا خبرتنا العادية السطحية، وحواسنا الفجة الغليظة. وجاءت نظرية نيوتن لتصدق عليه، وعلى حدودها فتكسب بهذا يقينا فوق يقين.

ولكن لقصور تلك الحدود، تفجرت ثورة النسبية، لتعلمنا أنه ليس ثمة تساؤل حول التصور الوحيد المطلق للمكان «أو للزمان»، فثمة إطار مكاني «زماني» مناسب لملاحظي الأرض، وآخر لملاحظي الأفلاك السماوية، وآخر لملاحظي السدم ... وبالمثل الطول والعرض وكل الأبعاد. لقد أحدثت النسبية تغييرا جذريا في أفكارنا حول الزمان والمكان والجاذبية ... إلخ، وثورة في الكوزمولوجيا الكلاسيكية بطريقة لا يمكن لأي فلسفة ملائمة أن تتجاهلها، وأثرت تأثيرا عميقا على مبادئ إبستمولوجية راسخة، ولن يفيدنا في شيء إنكار هذه الحقيقة، وادعاء أن تلك النظرية الفيزيائية غيرت فقط مفاهيم الفيزياء، بينما ظلت الحقائق الفلسفية مصونة لا تمس. فإنها وإن كانت محض علاقات فيزيائية، فقد قضت بصورة حادة على المبادئ الفلسفية التي يمثلها كانط.

39

وهي المبادئ الإبستمولوجية السطحية، لكن الراسخة في خبرة الحس المشترك، والتي كستها النيوتنية برداء الفيزياء الرياضية المهيب.

ثم أتت النسبية بصورتها الإبستمولوجية الأنطولوجية المناقضة تماما، ولتحرز درجة من الدقة لا تدانيها النيوتنية بحال. فتستطيع تفسير ظواهر، بل وظواهر فلكية عجزت الفيزياء الكلاسيكية عن تفسيرها «مثلا الحضيض الشمسي لكوكب عطارد؛ أي أبعد نقطة في مداره عن الشمس. وهي تتغير تغيرا طفيفا من دورة لأخرى»، والأهم من هذا - من منظور المنطق - أن النسبية تنطبق بنفس القوانين على العالمين الأصغر والأكبر، فأعطتنا صورة للعمومية الحقة. في عالم النسبية تدخل الذات العارفة - بمعنى مواقعها وسرعاتها بأجهزتها للرصد - كمتغير في معادلة الطبيعة، ولتحرز بهذا درجة أعلى من الموضوعية، أو بالأحرى درجة مباينة تماما، قامت على أنقاض موضوعية نيوتن المطلقة، لكن الموهومة. إن النسبية مرحلة أعلى من التقدم العلمي والعقلي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ١٢