1
في هذا الصدد لا بأس من ذكر فيلهلهم دلتاي
W. Dilthey (1838-1911) على الرغم من الخلاف الحاد بين طريقنا وطريقه؛ ذلك لأنه في طليعة الرواد الذين استشعروا بعمق وأصالة مشكلة العلوم الإنسانية حديثة النضج والنماء، وعجزها النسبي عن تحقيق التقدم الذي أحرزته العلوم الطبيعية، كان أن حصره دلتاي في مشكلتين: «الأولى أن العلوم الإنسانية ما زال يعوزها تصور واضح، ومتفق عليه عن أهدافها ومناهجها المشتركة والعلاقات بينها، إذا ما قورنت بما هو سائد في العلوم الطبيعية. والمشكلة الثانية هي أن العلوم الطبيعية تزداد منزلتها ومكانتها نموا واطرادا بحيث ترسخ في الرأي العام مثلا أعلى للمعرفة لا يتلاءم مع التقدم في العلوم الإنسانية».
2
ورفض دلتاي موقف كل المثاليين والتجريبيين، أو باصطلاح كارل بوبر المعارضين للمذهب الطبيعي والمؤيدين له. وتعهد دلتاي بتأسيس العلوم الإنسانية على نحو أكثر نسقية ومنهجية، وبوصفها شديدة التباين - منهاجا وتطبيقا - عن العلوم الطبيعية، هذا من حيث كونها نسبية متغيرة وفقا للأنماط والإيقاعات التاريخية للسياقات الاجتماعية، أو الثقافية حسب اصطلاحه المفضل. فكان لدلتاي تأثير كبير على الدراسات التاريخية، بحيث أصبح المؤرخون في حل عن تحقيق السمة العلمية الدقيقة في أبحاثهم.
3
وكان له أيضا أثر أقل في الدراسات الإنسانية أو الاجتماعية. وهو رائد مهد الطريق الذي اختطته فيما بعد الفينومينولوجيا، وسوف نعرج عليها في مقبل حديثنا.
لقد تنامى من بعد دلتاي الوعي بهذا التخلف النسبي للعلوم الإنسانية، وكثر الحديث فيه ربما لدرجة مملة، حتى أصبح أمرا مألوفا، ما يدفعنا لمحاولة جادة لاستشراف إمكانيات حل مشكلة العلوم الإنسانية، مقارنة بتقدم العلوم الطبيعية، أو على ضوئه.
والحق أن ذلك الأمر المألوف، مألوف بقدر ما هو عجيب، فمسائل العلوم الإنسانية كانت منذ الأزمنة البعيدة موضع الاهتمام الأكبر، وتستقطب أعاظم العقول، فكان تناولها أكثر نضجا من تناول مسائل العلوم الطبيعية.
4
وأي مقارنة بسيطة بين دساتير أرسطو وبين فيزيائه، أو بين تناول أفلاطون وفلاسفة الإسلام لمشاكل الأخلاق والمجتمع والسياسة «أو الإمامة» وبين تناولهم لمشاكل الطبيعة والمعادن، تثبت هذا، ودع عنك المحاولة الناضجة الباسقة التي قام بها عبد الرحمن بن خلدون (+ 808ه = 1406م) لتأسيس العلم الإنساني، علم العمران، أو علم الاجتماع بمصطلحات عصرنا، وبصورة تدهش أكثر العلميين تقدما حتى الآن. وإن كانت محاولة لم تؤت في عصرها ثمارها الممكنة أو المرجوة؛ لأنها تأتت وشمس الحضارة العربية توشك على الأفول، فلم تلق خلفا صالحا يحمل ميراثها العظيم، والذي يبدو حتى يومنا هذا قابلا للاستثمار المربح كمحاولة سان سيمون، أو حتى أوجست كونت، وسواهما من الغربيين الذين قدر لمحاولاتهم التواصل والسيرورة والنماء. وفي مقابل هذا نجد ما قاله ابن خلدون فيما يختص بمسائل الطبيعة لا يساوي شروة نقير، ولا يستحق إضاعة أي وقت أو جهد، وابن خلدون هو السلف الحقيقي لفيكو (+ 1744)، ومشروعه العظيم لتأسيس العلم الجديد - علم الإنسان وتاريخه.
فابن خلدون وفيكو يترأسان معا المحاولات الطموحة في مجال الدراسات الإنسانية، والتي تألقت طوال العصور الماضية، وإذا كانت لم تستطع أن تكون علما ذا قوة منطقية حقيقية، وصفية أو تفسيرية، فإنها كانت - على أي حال - أنضج كثيرا من الطبيعيات. وفي ذلك التفاوت الحاد بين مستوى التفكير في الإنسانيات ومستواه في الطبيعيات، طوال العصور القديمة، يقول جون بيرنت: «في الأيام الباكرة كان اطراد الحياة الإنسانية موضوعا للإدراك الجلي أكثر من سياق الطبيعة. وقد عاش الإنسان في دائرة خلابة من القانون والعرف، أما العالم من حوله فعلى ما يبدو ظل مفتقرا للقانون.»