تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

25

أما السفر الهندسي الثمين الآخر؛ أي القطوع المخروطية لأبولونيوس، فقد فقد الأصل الإغريقي تماما، ولم يبق للبشرية وللنهضة الأوروبية الحديثة إلا الترجمة العربية، انتقلت إلى أوروبا واستفاد منها يوهانس كبلر عام 1609م، وطبقها في الميكانيكا السماوية، التي أحرزت معه ثورة تقدمية، طبعا بخلاف ترجمات جبر الخوارزمي. وتوالت ترجمات العلوم التجريبية، خصوصا أعمال الحسن بن الهيثم، الذي عرف في أوروبا باسم الهازن، ومن قبله جابر بن حيان وسواهما. وحظيت كتب الطب والجراحة مع ابن سينا والرازي والزهراوي ... باهتمام خاص، في ترجماتها وفي تدريسها بجامعات أوروبا في عصر النهضة وحتى مشارف العصر الحديث. •••

هكذا يمثل الرصيد العلمي العربي، الذي تسارعت عمليات نقل أدبياته المترجمة والمؤلفة إلى اللغة اللاتينية منذ القرن الثاني عشر، أهم المقدمات التي تمخضت عن ثورة العلم الحديث في أوروبا.

وفي ذخائر هذا الرصيد، ثمة واقعة محددة لا بد أن توقف بإزائها، على أساس أن العلم الحديث يبدأ كوزمولوجيا وإبستمولوجيا بكتاب كوبرنيقوس «دوران الكرات السماوية» (1543م)، هذا الكتاب حمل صياغة رياضية لنظرية أرسطارخوس القائلة بمركزية الشمس، بدلا من نظرية بطليموس القائلة بمركزية الأرض التي كانت سائدة. سادت النظرية البطلمية طوال العصور الوسطى، وعن طريق إزاحتها والأخذ بمركزية الشمس استقام تصور الكون، مجمل العالم الفيزيقي لتبدأ ملحمة العلم الحديث على أسس أمتن. الواقعة المحددة المقصودة تتعلق بالخروج من أطر البطلمية، لتؤكد بشكل مباشر كيف كان البحث العلمي عند العرب مفضيا إلى مرحلة العلم الحديث، وقد أسرف توبي هف

T. E. Huff

في التعويل عليها وتأكيدها، وهو يحاول تفسير بزوغ فجر العلم الحديث.

إنها واقعة خاصة بمرصد «مراغة» الكائنة الآن في حدود إيران، استطاع العاملون فيه، خصوصا إبان القرنين الثالث عشر والرابع عشر، التوصل إلى ابتكار أول نظام فلكي غير بطلمي، منهم: الأزدي (ت1261م)، والطوسي (ت1279م)، وقطب الدين الشيرازي (ت1279م)، وأههم جميعا ابن الشاطر (ت1375م). ويؤكد توبي هف تأكيدا مشددا، أن ابن الشاطر بالذات هو الذي مهد لكوبرنيقوس، وعلى تفاصيل التناظر بين نماذج كوبرنيقوس ونماذج مرصد مراغة، بحيث ينتهي إلى أن السؤال الذي بحثه نفر من مؤرخي العلم الحديث ليس عما إذا كان، وإنما متى وأين تعلم كوبرنيقوس نظرية مراغة؟ وقد كان دبلوماسيا كثير التجوال والاطلاع على ما لدى الآخرين. يقول توبي هف:

وشد ما هو ذو دلالة خطيرة فعلا، أن العلماء العرب المسلمين هم الذين مهدوا الطريق المفضي إلى الثورة العلمية في أوروبا. لقد عمل العرب على تطوير ومناقشة جوانب عديدة للمنهج التجريبي، وتخطيط كيفية التسلح بها، ليس هذا فحسب، بل أيضا طوروا الأدوات الضرورية للوصول إلى أرقى مستويات الفلك الرياضي، علاوة على هذا، فإن العمل الذي اضطلع به مرصد مراغة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، قد بلغ ذروته في عمل ابن الشاطر، وتمخض عن تطوير نماذج كوكبية جديدة للكون، كثيرا ما توصف بأنها باكورة النماذج اللابطلمية على طول الطريق المفضي إلى العلم الحديث، وهي ما اتخذه كوبرنيقوس فيما بعد، لم يكن ينقصها العامل الرياضي، أو أي عوامل علمية أخرى، العامل الوحيد المفتقد في هذه النماذج هو أن ترسو على فرض مركزية الشمس، وكان الفشل في الإقدام على هذه الوثبة الميتافيزيقية، من كون مركزه الأرض إلى كون مركزه الشمس، هي التي حالت بين العرب وبين إحداث النقلة من العالم المغلق إلى الكون المفتوح.

26

وكان كوبرنيقوس هو الذي أقدم على هذه الوثبة، فكانت النقلة الكبرى وبداية نسق العلم الحديث والعصر الحديث في أوروبا، وأحدثت هذه القارة العجوز أبرز قفزة معرفية في تاريخها، وفي تاريخ العالم بأسره. •••

مفهوم المنهج العلمي · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفهوم المنهج العلميص ٤٤