تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في استطلاع أبعاد هذه القفزة المعرفية أو النقلة إلى العلم الحديث، رأينا كيف شهدت العصور الوسطى الحضارة الإسلامية، وهي تخوض ملحمتها مع العلم الرياضي والتجريبي، من حيث كانت حضارة متصالحة مع الطبيعة. وتبقى الإشارة إلى أن الطبيعة كانت آنذاك تعاني إقصاء وتهميشا في الحضارة الغربية.

وعلى مسرح الأحداث في الحضارة الأوروبية نعود إلى الوراء، لنجد أصولها الإغريقية قد دأبت على تحقير العمل وتمجيد النظر، حتى جاهر أرسطو بأن العبيد مجرد آلات حية لخدمة السادة الأحرار، المتفرغين لممارسة فضيلتي التأمل والصداقة! وهذا ما جسده بمنطقه الذي يعد القياس ثمرته. القياس الأرسطي منهج استنباط النتائج الجزئية من المقدمات الكلية المطروحة، اعتمادا على قوانين العقل والمنطق فقط، دون التجاء للواقع أو التجريب. وفي العصور الوسطى المدرسية بدا للسلطة الكنسية أن هذا ملائم للتعامل مع الكتب المقدسة؛ فهي زاخرة بحقائق مسلم بصحتها، لنتوصل إلى النتائج الضرورية لها بواسطة القياس. أصبح منطق أرسطو وقياسه منهج البحث المعتمد في العصور الوسطى، وسمي هذا المنطق «الأورجانون»

Organon

أي الأداة، أداة التفكير وآلة الاستدلال والبحث.

وكما يقول توب هف، حتى بدايات القرن السابع عشر كانت الهيئات الجامعية، تفرض غرامة على خريجيها وأساتذتها قدرها خمسة شلنات، مقابل كل نقطة افتراق عن أرسطو أو عدم التزام بمنطقه. وإذا أضفنا إلى هذا دأب المسيحية على التحقير من شأن المادة، واعتبارها أصلا لكل شر وخطيئة، بل وتأثيم الانشغال بها؛ أي تنافر عقائدها اللاهوتية مع الطبيعة، تبين لنا أن سيادة المنهج الأرسطي قد أكدها في أوروبا طوال العصور الوسطى، أن السؤال عن الطبيعة في حد ذاتها لم يكن ملحا، ولم يكن ثمة دواع قوية للحث على استكشافها، وتكاتف هذا مع عوامل عديدة، جعلت العصور الوسطى الأوروبية ينقشع عنها نور العلم والبحث العلمي.

ثم كانت الكشوف الجغرافية التي أخبرت إنسان عصر النهضة في نهايات القرن الخامس عشر، أن العالم الطبيعي أوسع كثيرا مما تصور أرسطو، ومن كل ما تضمنته الصحائف وكتب الأقدمين التي كانت تقف عند مضيق جبل طارق غربا، وما بعده بحر الظلمات وخط الاستواء جنوبا، فضلا عن أن الكوبرنيقية أدت إلى تصويب النظرة الفلكية ليبدو الكون الطبيعي بأسره هو الآخر أوسع كثيرا. بدت الطبيعة عالما مثيرا يغري بالكشف واقتحام المجهول. ومع نهايات القرن السادس عشر كان السؤال عن الطبيعة قد ارتفع إلى الصدارة، وأوشك أن يكون سؤال العصر الذي تنشغل به العقول.

وسرعان ما توالت المتغيرات على الأصعدة كافة، الصعيد الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والتجاري ... وظهرت المطبعة وبدأت المخترعات والماكينات تغير من وجه الحياة، وراحت العقول الواعدة تتلمس الجديد من كشوف العالم الطبيعي. طغى الإحساس بعقم وإجداب المنطق الأرسطي وقياساته، وما يتسم به القياس من دوران منطقي ومصادرة على المطلوب وتحصيل لحاصل. غير أن ما عابه على الخصوص، هو أنه أسهم مع الأناجيل في إقصاء العقول عن التفكير في الطبيعة بسبب من مجافاته للواقع؛ إذ إنه منطق لتناول قضايا مطروحة في الصحائف والأوراق، وكانت الثورة على قياس أرسطو ومنطقه بمثابة الإعلان الصريح عن رفض الماضي، والرغبة في الإقبال بمجامع النفس على الآفاق الجديدة للعصر الجديد، واستكشاف الطبيعة، هذا العالم النابض الذي امتد وترامت آفاقه أمام إنسان العصر الحديث.

أصبح الهم الفلسفي الأول صياغة منهج حديث يلائم الروح الحديثة، ويلبي المتطلبات المعرفية المستجدة للعصر الحديث، وفي الطليعة يتقدم ديكارت (1596-1650م) الرائد، ليمثل العلامة الفارقة وانتهاء المدرسية وفلسفة العصور الوسطى، راح يؤسس الفلسفة الحديثة وهو يستلهم وضوح الرياضيات، ويقينها في محاولة لتأسيس المبادئ العامة للمعرفة بأسرها؛ أيضا أسس الهندسة التحليلية، وقام بدور في تطوير علم الطبيعة الحديث. وإذا أخذنا في الاعتبار أن قوة منهج العلم في تآزر التجريب مع الرياضيات، أمكن القول إن ديكارت الذي انطلق من أهمية الرياضيات وخصائص التفكير الرياضي، إنما يشارك في إرساء الأصول المنهجية للعلم الحديث.

مفهوم المنهج العلمي · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفهوم المنهج العلميص ٤٥