20 (4) في العلوم التجريبية
تواتر عطاء التجريبيين الذين أطلق عليهم علماء الكلام اسم «الطبائعيين»؛ لأنهم يبحثون في طبائع الطبيعة. ثمة أسبقية زمانية لجابر بن حيان، جاء في القرن الثاني الهجري، ليكون في طليعتهم، إماما للكيمياء أو السيمياء القديمة، حتى سميت «علم جابر»، خرجت من أعطافه كيمياء العرب وكيمياء العصور الوسطى. وقال برتيلو: إن جابر له في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق؛ أي إنه أسسها تأسيسا. علم العلماء منهجية العمل الدءوب في قلب المعمل حين البحث في العلم الطبيعي، على أساس أن الدربة؛ أي التجربة، هي أم الصنائع، وكمنهجية علمية منتجة معرفيا فإنها بدورها تحتاج إلى التحصيل العلمي، فيقول جابر صراحة: «إياك أن تجرب أو تعمل حتى تعلم»، «ثم تقصد لتجرب فيكون في التجربة كمال العالم.»
21
إنه تكامل التحصيل العلمي والتجريب كمنهجية علمية ناضجة. وقد بحث جابر أشكال الاستدلال التجريبي: المجانسة ومجرى العادة والآثار.
22
وفي سياق البحوث التجريبية لن ينتهي الحديث بشأن الإنجازات المعروفة للعمل العربي في الطب والجراحة مع أمثال: الرازي، وابن سينا، وابن النفيس، وأستاذه مهذب الدين الدحوار ... والبيطرة والصيدلة والنبات ... إلخ. وهل يفوتنا ذكر البيروني (362-440ه) الذي قال عنه المستشرق الألماني إدوارد ساخاو بعد أن حقق بعض أعماله، إنه أعلم علماء العصور الوسطى طرا، ومن أعظم العقليات التي شهدها التاريخ، ذكرناه كرياضياتي، وقد كان أيضا مهندسا وفلكيا وعالما طبيعيا، ومنشغلا بالعلوم الإنسانية وتحديدا الجغرافيا وعلم الأديان المقارن.
23
وبصدد الإنسانيات والعلوم الاجتماعية يبدو ابن خلدون في غير حاجة للذكر.
كانت قد تكاملت في الحضارة العربية موسوعة للعلوم، مختلفة تماما عن الموسوعة الإغريقية الأسبق، عرض الفارابي في كتابه الشهير «إحصاء العلوم» لمعالمها، وبذل البعض جهودا لتوضيح أنها كانت تمهيدا لا غنى عنه لتصنيفات المحدثين.
24 (5) النقلة إلى العلم الحديث
وكما هو معروف عملت الحضارة الأوروبية في العصر المدرسي وعصر النهضة، على نقل وترجمة الحصيلة العلمية العربية في الرياضيات وفي العلوم وفي الطب والجراحة. انتقلت أدبيات العلم العربي، أسفاره المؤلفة والمترجمة، من عواصم الحضارة الإسلامية في بغداد ودمشق والقاهرة عن طريق التجار والرحالة. على أن العامل المستجد الحاسم كان العائدين من الحملات الصليبية حاملين الأسفار العلمية. واستفادت أوروبا كثيرا من مواطن التواصل المباشر مع الحضارة الإسلامية في حوض المتوسط مثل صقلية وسواها. وبطبيعة الحال قامت الأندلس التي مكث العرب فيها ثمانية قرون بدور خاص، اضطلعت طليطلة بترجمة أعمال ابن سينا في أواخر العصر المدرسي، وكانت جامعة بولونيا أول جامعة تتخذ كتابه «القانون في الطب» كتابا تعليميا، وفي أواخر عصر النهضة كان القانون يمثل نصف المقررات الطبية في الجامعات الفرنسية.
في هذه المرحلة كانت قد استقامت السينوية اللاتينية والرشدية اللاتينية، بمعنى مثول أعمال ابن سينا وابن رشد كقوة دافعة للحركة الفكرية في أوروبا. يتمثل تأثير ابن سينا في الراهب روجرز بيكون (1214-1294م)، الذي تميز بنزعة علمية تجريبية قوية لم يستسغها تماما الوسط المدرسي في أوروبا. أما الرشدية بما تعنيه من عقلانية وانتصار للتفكير البرهاني، فقد كثر الحديث عنها كعامل قوي من عوامل النهضة والحداثة في أوروبا.
في تاريخ العلم مثلت قرطبة مركزا من أهم مراكز العلم العربي في الأندلس، وكانت تعج بمدارس الرياضيات العربية، التي سهل انتقالها إلى أوروبا على يد المستعربين. يتقدم إدلارد الباثي الذي أتقن اللغة العربية ودرس في قرطبة، وترجم «أصول الهندسة» لإقليدس قرابة عام 1120م من العربية إلى اللاتينية، وظلت هذه الترجمة تدرس في مدارس أوروبا حتى عام 1583م، حين تم اكتشاف الأصل اليوناني.