كان التجريب لا يزال مفهوما مبهما إلى حد ما، مثلما كان مع فرنسيس بيكون مثلا. اتخذ التجريب المسترشد بالرياضيات عند ابن الهيثم، فحوى مختلفا تماما عن مجرد الرصد، أو حتى القياسات الفلكية والتكميميات المعتادة. تعددت معاني التجريب ووظائفه عنده، بقدر تعدد العلاقات بين الرياضيات والفيزياء، وهو يؤسس لتلك العلاقات بمناهج متباينة، لم يعالجها كموضوع قائم بذاته، إلا أنها منبثة في أعماله، فاستطاع رشدي راشد تقنينها وتحليلها.
المساهمة الأساسية لابن الهيثم في مجال البصريات هي علم المناظر الهندسي. لقد انشغل بإصلاح علم البصريات ومراجعة مجالاته المختلفة: المناظر والظواهر الضوئية وانعكاس الأشعة الضوئية وانكسارها، والمرايا المحرقة وعلم البصريات الفيزيائي، ثم الجوانب والسيكولوجية والفيزيولوجية للبصريات، مستخدما الأساليب الهندسية والتجريب في كل المجالات. أنهى التقليد القديم مع إقليدس وبطليموس؛ حيث كانت الرؤية هي إضاءة الشيء المرئي، فلا فرق بين شروط الرؤية وشروط انتشار الضوء، أما ابن الهيثم فقد وضع تمييزا قاطعا بين فيزياء الضوء وبين فيزيولوجيا وسيكولوجيا الإبصار؛ الإبصار يخضع لقوانين الضوء وليس العكس.
يحمل علم الانكسار أو دراسة الأشعة المنكسرة، أمضى تطبيق للرياضيات على الفيزياء، الذي اتخذ عند ابن الهيثم «مناحي مختلفة تتفق ونضوج المفاهيم في كل فرع من فروع العلم، التي عالجها في عمله الضخم من جهة، كما يتوقف على إمكانية إخضاع الظاهرة إلى التجربة من جهة أخرى».
16
من هذه المناحي ما هو متعلق بتماثل البنيات، كما هو عليه الأمر في المناظر الهندسية بعد إصلاحها من قبله. وثمة منحى آخر هو تطبيق الرياضيات بواسطة علم آخر وضع على شكل رياضي «استخدام ترسيمة ميكانيكية في دراسة المناظر على سبيل المثال».
17
في علم البصريات الفيزيائي علاقة مع الرياضيات، عن طريق التماثل بين الرسومات الهندسية لحركة جسم ثقيل والرسومات الهندسية للانعكاس والانكسار، وتأدت رؤية ابن الهيثم إلى نوع آخر من التجريب المسترشد بالرياضيات، مارسه كمال الدين الفارسي (ت 710ه)، «حيث تنحو العلاقة بين الرياضيات والفيزياء نحو بناء نموذج، بحيث يختزل الضوء داخل وسط طبيعي - عن طريق الهندسة - إلى انتشاره داخل أداة مصنوعة، مما يعني أننا بصدد تعريف تناظر رياضي تمثيلي بين الطبيعي والأداة المصنوعة؛ مثال ذلك الكرة المملوءة بالماء لدراسة القوس قزح. ووظيفة التجريب هنا هي التعبير عن الشروط الفيزيائية لظاهرة ليس لدينا طريقة أخرى لدراستها مباشرة.»
18
تكمن حداثة مشروع ابن الهيثم في هذه الأشكال من التجريب المتريض - إن جاز التعبير، كانت آليات ضبط ومستويات وجود لمفاهيم إدراكية. هذا فضلا عن استهدافه الحصول على نتائج كمية، وابتدع من أجل ذلك أجهزة وتدابير معقدة. لقد أرسى ابن الهيثم دعائم اعتبار التجريب جزءا لا يتجزأ من البرهان الرياضي في الفيزياء، «والتسلسل الذي يبدأ بابن الهيثم ليصل إلى كبلر وغيره من علماء القرن السابع عشر ثابت؛ لهذا كانت المعرفة بالعلم العربي ضرورية حتى نتفهم الحداثة الكلاسيكية.»
19
أتى ابن الهيثم في مرحلة كانت الحضارة الإسلامية فيها قد قطعت شوطا، فاستقطب نضج المنهج العلمي فيها، وخلاف سر الأسرار أي الترييض، يمكن استخراج جواهر منهجية أخرى من لدنه، على رأسها رفض سلطة الكتابات القديمة، فيقول إن «طالب الحق ليس هو الناظر في كتب الأقدمين، المسترسل مع طبعه بحسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم.» ورأيناه يطيح بالرؤية القديمة لإقليدس وبطليموس. وثمة إرساء قواعد الشك المنهجي والنزاهة، وقاعدة النقد والتفنيد التي هي جوهر رؤية كارل بوبر. وقد استخرج ماهر عبد القادر من كتابات ابن الهيثم تحذيرا من أوهام مفضية إلى فساد البحث العلمي - كأوهام بيكون - وهي أوهام الرؤية وأوهام الاعتقاد وأوهام الظن.