تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى الرياضيات مجد أثينا العظيم قطعت في الإسكندرية خطى تقدمية واسعة، وأحرزت على يد إقليدس كمالا لا يزال مثالا يحتذى للمنهج الاستنباطي المنتج في الرياضيات. اكتملت نسقية الهندسة على يديه في كتابه «الأصول» أو أصول الهندسة الذي يتصدر قائمة الكتب التي شهدت طباعة أكبر عدد من النسخ في التاريخ. واستؤنفت المسيرة بهندسة المجسمات، والقطوع المخروطية مع هيبسكليس وأبولونيوس وسواهما. وارتبط بهذا تقدم في الجغرافيا والطب والفيزياء. وفي الفلك قدمت الإسكندرية نظريتين معالجتين رياضيا، الأولى لأرسطارخوس الساموسي (توفي قرابة 230ق.م)، على أساس من مركزية الشمس، والأخرى لبطليموس على أساس من مركزية الأرض. ولأسباب كثيرة، قدرت لمركزية الأرض البطلمية السيادة طوال العصور الوسطى.

يوازي هذا نضج ملحوظ في علوم الجغرافيا. ظهر إراتوستينيز (توفي 194ق.م)، الذي يوصف بأنه إمام الجغرافيين في العصر القديم، حاول ابتكار طريقة لقياس محيط الأرض وقطرها. وفي الطب يكفي اسم العلمين أبقراط وجالينوس؛ فقد نالت علوم الحياة أيضا حظا عظيما من العناية في مكتبة الإسكندرية ومتحفها، والذي لم يكن متحفا بالمفهوم الحديث، بل هو بهذا المفهوم أول جامعة في العالم، وشاهد على أن الإسكندرية كانت من معاقل ممارسة المنهج العلمي كمنهج معرفي تجريبي. كان جاليليو (1564-1642م) من أعظم آباء العالم الحديث، ويقف كعلامة فارقة في مسار تطور المنهج العلمي، قال قولته الشهيرة: «كتاب الطبيعة المجيد مكتوب بلغة الرياضيات»، وجاهر بأن إنجازاته ما كانت لتتاح دون إنجازات أرشميدس (+212ق.م)، في ذلك العصر السكندري الزاخر؛ فهو الذي علمه التآزر المثمر الولود بين الرياضيات ووقائع التجريب؛ أي علمه أصوليات المنهج العلمي. لقد كان أرشميدس في طليعة الآباء العظام، الذين قدمت ممارساتهم صورة مبكرة وناضجة للمنهج العلمي.

على الإجمال، يعد مؤرخو العلم المرحلة السكندرية من أهم مراحل تاريخ العلم القديم، حتى يراها بعضهم تقف على قدم المساواة مع مرحلة الثورة العلمية الحديثة في القرن السادس عشر. •••

المرحلة السكندرية أعقبتها الفلسفة الرومانية التي امتدت حتى القرن الخامس الميلادي الذي يعد نهاية عصر الفلسفة القديمة، ما بعده يعرف بالمرحلة الوسيطة أو العصور الوسطى؛ حيث إنها تتوسط نهضتين هما مرحلتان مشرقتان في الحضارة الغربية الأوروبية، الأولى مع الإغريق والثانية هي عصر النهضة والعصر الحديث. أما العصور الوسطى الأوروبية ذاتها، فكانت مرحلة مظلمة، يواكبها زمانيا مرحلة العصر الذهبي للحضارة الإسلامية.

في أقل من مائة عام طوقت الفتوحات الإسلامية شواطئ البحر المتوسط، من أقصى شماله الشرقي إلى أقصى جنوبه الغربي ومضيق جبل طارق، وكاد يتحول إلى بحيرة عربية تجوبها الألوية والصواري الإسلامية. ولما كان ثبج البحر آنذاك هو وسيلة الاتصال بين أرجاء المعمورة، فقد اختنقت أوروبا ودخلت في ليل العصور الوسطى، التي كانت شمسها غاربة عن الغرب ومشرقة في الشرق؛ فكانت الحضارة الإسلامية هي التي حملت آنذاك لواء التجريب والمنهج العلمي في تلك الحقبة من تاريخ البشر.

الفصل السابع

| من الحضارة الإسلامية إلى العلم الحديث

(1) ملامح حضارة ناهضة

بلغت البشرية عصرها الحديث ومرحلة العلم الحديث عبر وبفضل المرحلة التي تعرف باسم مرحلة تاريخ العلوم عند العرب في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية،

1

وهي مرحلة تمتد من القرن الثامن الميلادي إلى القرن الثاني عشر، لكنها في واقع الأمر تملأ الفراغ الحضاري الممتد منذ انتهاء عصر العلم السكندري في مصر إبان القرن الأول الميلادي، حتى بزوغ الجمهوريات الإيطالية في عصر النهضة.

مرحلة تاريخ العلوم عند العرب أهم مراحل العلم القديم طرا، ذروته وتاجه؛ حيث صياغة مفهوم المنهج العلمي وآلياته الإجرائية، متميزة وواضحة لأول مرة في التاريخ، كنظرية وكواقع وكممارسة، ناشئة عن النموذج المعرفي الشامل، ومتفاعلة مع الإطار الحضاري، وتتميز هذه المرحلة بوضعية خاصة للقيم وتوليد لإيجابيات قيمية علمية، بفضل تفعيل حي للعوامل السوسيولوجية والثقافية.

مفهوم المنهج العلمي · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفهوم المنهج العلميص ٣٧