تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يكن الأمر تنضيد إجرائيات المنهج العلمي فحسب، بل تكامل المنهج العلمي بقيمه الإيجابية الدافعة. كانت الحضارة الإسلامية مهيأة لذلك؛ لأن عالم الشهادة، العالم التجريبي، الطبيعة، ليس مصدرا للدنس والخطيئة، كما كان الأمر في المسيحية، بل هي في علم أصول الدين/علم الكلام «عالم»؛ أي علامة دالة على وجود الله، واحتلت الطبيعة موضعها على مسرح الحضارة الإسلامية.

2

إنها حضارة مركزها النص الديني الذي احتوى آيات بينات دافعة إلى النظر العقلي في الكون وفي الحياة وفي الأنفس، توجه مباشرة صوب الطبيعة، صوب العالم التجريبي. لقد كانت دافعية الممارسة العلمية أصلا ثاوية في آيات القرآن.

ترامت الإمبراطورية الإسلامية الناهضة التي لعبت «المدينة» فيها دورا أكبر، وضمت مراكز الحضارات الأسبق في مصر والعراق والشام وفارس ومناطق شاسعة في أواسط آسيا. وحتى الصين التي لم يفتحها العرب ولم يطئها جندي مسلم واحد، تكفلت طرق الحرير والقوافل التجارية بنقل تراثها التقاني الزاخر إلى العرب، وأصبح في متناول أيديهم كل التراث العلمي السابق عليهم تقريبا، في الحضارات الشرقية القديمة والتراث الإغريقي والسكندري، ليتفاعل مع تفتحهم الذهني وتسامحهم العقلي، وعوامل شتى في حضارتهم التي كانت دافقة، وعبقرياتها من ذوي الملل والأجناس الشتى، فتشكلت أهم مراحل العلم القديم وأنضج صياغاته وممارساته للمنهجية العلمية، وكانت حركة الترجمة والبحث تتم بمباركة السلطة وكرمها الباذخ أحيانا. يقول ج. كراوثر: «وقفت الثقافات الإغريقية واللاتينية والهندية والصينية جميعا بالنسبة إليهم على قدم المساواة، وكان من نتائج هذه العقلية المتعطشة للمعرفة عند المسلمين، أنهم أصبحوا بالفعل المؤسسين الحقيقيين لمفهوم العالمية في المعرفة أو وحدة المعرفة الإنسانية، وهي إحدى السمات بالغة الأهمية بالنسبة للعلم الحديث.»

3

لقد كان النموذج العلمي المنهجي في الحضارة العربية الإسلامية «عالميا بمنابعه ومصادره، عالميا بتطوراته وامتداداته»،

4

امتلك وسائل التأثر والتأثير، لغته العربية وحدت العلم ولم تعد لغة شعب أو أمة تضم شعوبا ولغات، بل هي لغة المعارف العقلية، كأول لغة علمية عالمية.

حمل النموذج الإسلامي للبشرية درسا ثمينا في فضائل النزعة الإنسانية، والتكامل والتفتح والتسامح المعرفي، وهي قيم أساسية للمنهج العلمي كمنهج بحث. في العلم الغربي الحديث انفصل المنهج انفصالا بائنا عن القيم والأخلاق، وفي العقود الأخيرة ألحت «أخلاقيات العلم»

5

والبحث العلمي، وباتت في صدر الأولويات، بينما تميز منهج البحث العلمي في الإطار الإسلامي، بأنه تأتى في إطار توجه أخلاقي مثالي عام، ولم ينفصل العلم عن القيمة. •••

لم يكن للعرب قبل الإسلام باع في العلوم الرياضية والتجريبية، إنها ليست كالشعر بل كالفلسفة؛ أي نتيجة لمعلول مستحدث هو الثورة الثقافية العظمى، التي أحدثها الإسلام، ثم تعاظمت بفعل العوامل السوسيولوجية؛ فشهدت الرياضيات والعلوم في الحضارة الإسلامية، المرحلتين التاريخيتين اللتين مرت بهما الإنجازات المستحدثة للعقلانية العربية؛ أي مرحلة الترجمة والنقل، ومرحلة الإسهام والإبداع، ولم تكونا مرحلتين منفصلتين متعاقبتين آليا، بل - بالأحرى - قوتين علميتين متفاعلتين، فيما سمي جدلية البحث والترجمة.

في الترجمة مثل النموذج الإسلامي درسا منهجيا في التفاعل الخلاق المبدع حين نقل المشترك الإنساني العام، الترحيب بالعلم استحسانا للحق حيثما كان أو - كما يقول الكندي - «من أين أتى، وإن أتى من الأجناس القاصية والأمم المباينة». لم يبدأ رفض الآخر مثل رفض بعض الأصوليين للمنطق واعتبار العلم دخيلا، إلا في فترات الانهيار تحت وطأة غزو الآخر وسقوط بغداد العام 656ه. وفي طلب الحق دأب الإسلاميون على ترجمة النص الواحد المهم مرة واثنتين وثلاثا، تنقيحا وتجويدا وتطويرا لمفردات اللغة العلمية. المترجمون الأوائل هم الذين قاموا ببناء اللغة العلمية العربية. كانت الترجمة إلى العربية تتقصى نقل أكثر الأبحاث تقدما في ذلك العصر، وكما يقول رشدي راشد، وهو الحجة في تاريخ الرياضيات الوسيطة، لم يكن هذا «نقل نسخ وتقليد واستيعاب، لكنه كان نقل إصلاح وتجديد، أدى إلى خلق فكر علمي وفلسفي مبتكر»، كانت أسسه العقائدية واللغوية والفقهية والكلامية والفلسفية والتاريخية قد ترسخت. سرعان ما أصبحت الترجمة مهنة علمية ومؤسسة شهدت المترجم الهاوي والمترجم المحترف والمترجم-العالم، ثم العالم- المترجم، إنها «جدلية البحث والترجمة»؛ فكان ثمة ترجمة مرافقة للبحث وفي عين حقله، والترجمة التي لحقت بالبحث مع مثول مسافة زمنية بينهما، وتنتهي إلى دمج النص المترجم في تقليد مختلف عن مجاله الأساسي، مثل ترجمة «كتاب المسائل لديوفانطس السكندري» بمصطلحات الخوارزمي الجبرية. بدأ التخصص وزاد عدد المتخصصين، مما أدى إلى تكوين مجتمع من العلماء والمثقفين، في حاجة إلى معارف جديدة في الفلسفة والمنطق والرياضيات والفلك وعلوم الهندسة والزراعة، ترافق مع هذا توحيد وتعريب وأسلمة الإمبراطورية وأجهزتها الإدارية، منذ عصر الخليفة هشام بن عبد الملك الذي قام بتعريب الديوان، وصك العملة العربية بدلا من العملة اليونانية. ولدت متطلبات إدارة السلطة وظائف الكاتب والمحتسب وغيرهما التي تتطلب ثقافة عامة. تزايد الطلب على علوم الأوائل، وتزايدت الحاجة إلى الترجمة.

مفهوم المنهج العلمي · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفهوم المنهج العلميص ٣٨