وكان العلم الإغريقي هو المقابل الصريح للعلم الصيني؛ فبينما اهتم هذا الأخير بالجوانب التطبيقية والتقانية، أغفل الجوانب المنهجية النظرية والاستدلالية، فإن العلم الإغريقي قد فعل العكس تماما، اهتم بالنظري والبرهاني دونا عن التجريبي والتطبيقي. وكان الفضل العظيم للإغريق في صياغة الأصول النظرية العقلانية للمنهجية، وهيكل التفكير البرهاني الاستدلالي، وتقنين مفاهيم من قبيل القانون والنظرية والحجة والبينة، على الإجمال شق الطريق نحو بلورة مثل المنهج العلمي وإرساء أسسه العقلانية.
ثمة أيضا فروض خصيبة طرحها بعضهم، خصوصا الفلاسفة القبل سقراطيين الذين بدأت معهم الفلسفة الغربية بدايتها الحاسمة المعتمدة، وتحديدا مع فلاسفة المدرسة الملطية نسبة إلى مدينة مليتوس على ساحل إيونيا بآسيا الصغرى (تركيا الآن)، الذي سكنه قوم من الإغريق وظهر فيها رائدهم طاليس أول الفلاسفة جميعا. السؤال المحوري الذي دارت حوله المدرسة الملطية والفلاسفة القبل سقراطيين عموما، هو السؤال عن «الأرخي»؛ أي المادة الخام التي صنعت منها الطبيعة أو المبدأ المادي الأول الذي يرتد إليه العالم المحسوس بأسره. قال طاليس إن الماء هو أصل الأشياء جميعا، وتبعه تلميذه أنكسماندر الذي قال إن «الأبيرون» أو عنصرا هيوليا غير محدد وغير متعين هو أصل الأشياء، ثم جاء أنكسيمنس ليقول بالهواء. أما فيثاغورث الذي ظهر في القرن السادس ق.م باذخ العطاء، ويصغر طاليس بثلاثين عاما، فقد قال إن العدد هو أصل الأشياء جميعا، وقام بدوره المبدئي المبكر في ترييض التفكير العلمي ومنهجه.
كان آينشتين في القرن العشرين لا يزال مبهورا بنظرية فيثاغورث الشهيرة، على أن الجانب التجريبي الصريح الذي هو عماد للمنهج العلمي، قد تراجع إلى حد كبير مع الحضارة الإغريقية في مرحلتها الهلينية أو اليونانية الخالصة التي استمرت حتى رحيل أرسطو. احتقر هؤلاء عالم الطبيعة التجريبي أو بتعبير أرسطو عالم ما تحت فلك القمر، ولكنهم على أي حال قاموا بدورهم الحضاري المشهود في صياغة الأسس النظرية المعرفية للاستدلال العقلي ولمفهوم المنهج العلمي. (4) في العصر السكندري
العصر السكندري مرحلة استثنائية فذة حقا، كان مسرحها مدينة الإسكندرية في ساحل مصر الشمالي، إبان القرون الثلاثة السابقة على ميلاد المسيح؛ حيث صيغ نموذج واعد، يجمع الجانبين: العلم والتقانة، من حيث يجمع دعامتي المنهج العلمي: النظرية والتجربة؛ فقد انصهرت فيها العقلانية الإغريقية مع الحكمة والخبرة المصريتين الخصيبتين.
إنها المرحلة الهلينستية، مرحلة تداخل الحضارة الهلينية؛ أي الإغريقية الخالصة السابقة، مع حضارات الشرق، وذلك حين أسس الإسكندر الأكبر إمبراطوريته التي تضم العالم القديم بأسره تقريبا، وأنشأ عدة مدن تحمل اسم الإسكندرية على رأسها إسكندرية مصر، أنشئت العام 323ق.م في موقع قرية مصرية قديمة تسمى «راقودة»، وبعد رحيل الإسكندر المفاجئ، جرى تقسيم إمبراطوريته بين قواده، وكانت مصر من نصيب بطليموس سوتير، ليبدأ عصر البطالمة فيها. وقد بذل بطليموس الأول جهده ليجعل منها مركزا للعلم، أنشأ فيها أكاديمية ملحقا بها متحف ومكتبة، وسرعان ما باتت تضاهي مدارس الفلسفة في أثينا، وانضم إليها مجمع حكماء عين شمس حاملو الميراث المصري، والذين فيما سبق كانوا قد علموا فيثاغورث وطاليس وأفلاطون، حين ارتحل هؤلاء إلى مصر طلبا للعلم.
أغدق بطليموس الثاني إغداقا باذخا على المكتبة الشهيرة، فجعلها كعبة العلماء والباحثين آنذاك. وورثت الإسكندرية عرش أثينا كمركز للعقل والمعرفة والعلم، وقدمت نموذجا معرفيا تفوق على النموذج الهيليني، من حيث اكتمال جانبي المنهج العلمي فيه، وفاقتها بما لا يضاهى في التقانة (التكنولوجيا) وصنع الآلات، وحسبنا أن نذكر اسم التكنولوجي الرائد هيرو السكندري (+50ق.م )، اخترع العديد من الآلات وترك أبحاثا في الرياضيات وعلم المساحة والميكانيكا والبصريات والفيزياء الجوية.