تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ترسخت رؤية المنهج العلمي التي تعتبر النظرية العلمية في جوهرها تعميمات استقرائية، لا سيما وأن هذا كان ملائما تماما لفيزياء نيوتن الكلاسيكية، وهي لم تقتحم بعد عالم الذرة وما دون الذرة، وتتعامل مع كون كل شيء فيه تقريبا قابلا للملاحظة الحسية. كانت الفيزياء النيوتونية التي تحكم قوانين الحركة في الزمان والمكان، هي النظرية الفيزيائية العامة التي ترسم معالم نسق العلم وتحدد مثالياته ومعاييره، وكانت النيوتونية تسير قدما من نجاح إلى نجاح أعظم، وأثبتت ذاتها بوصفها المثال المعرفي المنشود، وتبارت العلوم المختلفة في احتذاء حذوها، وقد سلم الجميع بأن منهجها الاستقرائي، هو المنهج العلمي المشهود.

ولكن في أوج العلم الكلاسيكي ونجاح فيزياء نيوتن، وفي أوان صعودها عرش المعرفة بثقة واقتدار، المعرفة النظرية والتطبيقية أيضا التي جعلت الثورة الصناعية على الأبواب، في قلب هذا المعمعان الظافر الرافع للواء الاستقراء بوصفه المنهج العلمي المعلى، حدث أن أثيرت مشكلة الاستقراء أشهر مشكلات الفلسفة ومناهج البحث.

وتتلخص مشكلة الاستقراء في التساؤل: بأي مبرر يخرج العالم من وقائع جزئية محدودة إلى قانون كلي عام؟ كيف يسحب الحكم مما لاحظه على ما لم يلاحظه؟ لماذا يفترض أن الوقائع التي لم يشاهدها تماثل تلك التي شاهدها، وأن الأحداث سوف تتعاقب في المستقبل تماما كما تعاقبت في الماضي؟

إن العالم في معمله يلاحظ عددا محدودا من الحالات، مثلا القطعة «1» من الحديد تمددت بالحرارة، القطعة «2» ... القطعة «3» ... القطعة «4» ... القطعة «ن» ... فيخرج بتعميم استقرائي: الحديد يتمدد بالحرارة. أو مثلا افترض باحث أن المضاد الحيوي «س» فعال في علاج التيفود، وجربه على المرضى الذين يعالجهم وهم عشرة أو عشرون أو حتى ألف، وهب أنهم شفوا جميعا، سيخرج بتعميم استقرائي: المضاد الحيوي «س» يشفي من التيفود. القانون العلمي عبارة عامة تحكم الحالة المطروحة للبحث بصفة كلية، وليس مجرد حصر أو تعداد لأمثلة لوحظت. إن العالم يلاحظ ويجرب على عدد من الوقائع الجزئية، مهما كان كبيرا فهو عدد محدود، ثم يخرج منه بعبارة كلية تنطبق على كل الوقائع المماثلة في أي زمان ومكان. والسؤال الآن: بأي مبرر يخرج من وقائع محدودة لوحظت إلى قانون كلي عام؟ كيف يسحب الحكم مما لاحظه على ما لم يلاحظه؟ من أدرانا أن الحديد منذ مليون عام أو بعد ألف سنة أو على كوكب المريخ أو في مجرة أخرى يتمدد أيضا بالحرارة؟ ما الذي يضمن عدم وجود عينات من الحديد هنا أو هناك لا تتمدد بالحرارة ولم يصادفها الباحثون؟

مشكلة الاستقراء هي مشكلة تبرير القفزة التعميمية، من عدد محدود من الوقائع التجريبية إلى قانون كلي عام. على أي أساس يمارس التعميم الاستقرائي، وهو صلب فاعلية المنهج العلمي؛ أي صلب عملية إنتاج المعرفة العلمية؟

ورب قائل إن مبدأ السببية - الذي استلزم الاطراد والحتمية - يبرر التعميمات الاستقرائية. والواقع أن مشكلة الاستقراء في جوهرها هي مشكلة السببية؛ فقد ظهر متحد خطير لقانون السببية، هو الفيلسوف الأيرلندي ديفيد هيوم

D. Hume (1711-1776م)، إنه تجريبي متطرف، من أقطاب التجريبية الإنجليزية التليدة في القرن الثامن عشر، فتقوم فلسفته على رد المعرفة إلى انطباعات الحس وارتباطاتها. وهنا خطورته؛ فقد تحدى مبدأ السببية كثيرون على رأسهم الإمام الغزالي في الشرق والأب نيقولا مالبرانش في الغرب، لكن كان هذا لنفي الارتكان على الحواس والتجريبية. أما ديفيد هيوم فهو أول من نقد قانون السببية على أساس من التجريب ومن أجله.

طرح هيوم سؤاله: على أي أساس نفترض أن العلل (أي الأسباب)، سيكون لها دائما المعلولات (أي النتائج) نفسها؟ أي: على أي أساس نفترض مبدأ السببية؟ ولا إجابة على هذا السؤال؛ فنحن التجريبيين المتطرفين اتفقنا على انطباعات الحس شاهدا أوحد، ولا نجد فيها أبدا هذه السببية، لا أحد رآها أو سمعها أو لمسها، إننا لا نلاحظ إلا تعاقبا بين الأحداث، أما السببية فهي ملاط (= أسمنت) غيبي للربط بين هذه الأحداث، ولا مرد لها إلا العوامل السيكولوجية، بمعنى أن تكرار الخبرة الحسية التي تقع فيها «ب» بعد «أ»، يخلق عادة لتوقع «ب» كلما شوهدت «أ»؛ أي إن السببية مجرد عادة نفسية!

مفهوم المنهج العلمي · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفهوم المنهج العلميص ٢٦