تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هكذا نجد الاستقراء في جوهره عملية تعميم للملاحظات التجريبية، وقد استند هذا التعميم على مبادئ ثلاث تبرره، وهي السببية وإطراد الطبيعة والحتمية، وهذه المبادئ الثلاثة تؤكد انتظام الطبيعة وتناسقها، وخضوعها لقوانين شاملة يكشف عنها العلم، وعن طريق استقراء ماضيها يتنبأ بمستقبلها. السببية (أو العلية)

Causality

مبدأ كوني عام وشامل يعني أن حوادث هذا الكون لا تجري خبط عشواء، بل كل حدث يحدث لأن هناك سببا أو علة أحدثته، كل ظاهرة من ظواهر الكون لها سببها، وحدوث الأسباب ذاتها يوجب حدوث النتائج ذاتها، وبهذا تحدث الأحداث أو ظواهر الكون، في أنماط منتظمة يمكن اكتشافها وصياغتها في قوانين، وتلك هي مهمة العلم التجريبي، حتى قيل إن التفسير العلمي هو ذاته التعليل، اي اكتشاف العلة أو السبب.

9

أما اطراد الطبيعة

Uniformity of Nature

فيعني أن أحداث الطبيعة تجري على وتيرة واحدة؛ أي بشكل مطرد لا تغير فيه، ما حدث بالأمس سيحدث في المستقبل، طالما أن كل حدث حالة أو مثال لقانون سببي شامل. ثم يأتي مبدأ الحتمية

Determinism

ليجسد الصرامة العلمية السببية، فيعني عمومية قوانين الطبيعة وثبوتها واطرادها، فلا تخلف ولا مصادفة ولا استثناء، كل حدث يحدث كان لا بد وأن يحدث بالضرورة، طالما أنه محكوم بالسببية الشاملة ويكشف عن اطراد عام.

يسهل إدراك أن المبادئ الثلاث وجوه لعملة واحدة، طالما أن السببية هي اطراد التعاقب في الطبيعة، والاطراد بدوره شاهد على السببية، وقد انتظما معا في إطار مبدأ الحتمية الكونية الشاملة، الذي رسخته فيزياء نيوتن حين قدمت تفسيرها الميكانيكي للكون. الحتمية لا تعدو أن تكون الإقرار بأن السببية الشاملة، تجعل كل حدث يحدث كان لا بد حدوثه ويستحيل أن يحدث سواه، والقانون العلمي يتنبأ يقينا بالأحداث على أساس من السببية الشاملة، بحيث إذا توصلنا إلى نسق العلم الشامل، تبدت أمامنا أحداث الكون جميعها كتابا مفتوحا.

وراح فلاسفة العلم آنذاك يتبارون في تحديد خطوات المنهج الاستقرائي، وترتيبها ترتيبا تصاعديا وصولا إلى الكشف أو النظرية العلمية. وأهم ما في هذا الترتيب أن الخطوة الأولى هي الملاحظة التجريبية؛ فلا بد أن يبدأ العالم بملاحظة عدة أمثلة للظاهرة موضوع الدراسة، ملاحظة خالصة بلا أية موجهات، وكأن العالم يرقب من وراء ستار بحياد تام. الملاحظة العلمية دقيقة مقصودة منتقاة وهادفة، مرتبة ومتواترة، تتصف بالنزاهة والموضوعية، وأيضا الدقة التي توجب استخدام الأجهزة المعملية إلى أقصى حد ممكن وصولا لتكميم دقيق. وما التجربة المعملية إلا اصطناع الظروف المطلوب ملاحظتها. وهناك علوم تعتمد على الملاحظة فقط كالفلك والجيولوجيا، وعلوم تعتمد على التجربة فقط كالفيزياء والكيمياء، وعلوم تجمع بين الاثنتين كعلوم الطب والحياة. والخطوة الثانية هي التعميم الاستقرائي للوقائع، التي لوحظت في صيغة قانون عام، وقد تتلوها خطوة افتراض فرض يعلل أو يفسر هذا التعميم. الخطوة الرابعة هي التحقق من صحة الفرض منطقيا، وأنه قادر على حل المشكلة المطروحة للبحث ومتسق مع ذاته، ومع القوانين العلمية الأخرى المعمول بها، ثم اختباره تجريبيا. ويكون قبول الفرض أو تعديله، أو رفضه والبحث عن فرض آخر إذا تم دحضه، كل هذا وفقا لنتائج محكمة التجريب، ليتم بلوغ معرفة جديدة والإضافة إلى بنيان العلم.

هذا هو ما يعرف بالاستقراء التقليدي أو الصورة الكلاسيكية البائدة للمنهج العلمي. ولئن كان العلم التجريبي تجسيدا وتجريدا لمقولة التقدم في حياة البشر، فلا غرو أن تشهد نظريته المنهجية بدورها تقدما أو تطورا جذريا، فكيف سار الأمر؟

الفصل الخامس

| تطور نظرية المنهج العلمي

(1) مشكلة الاستقراء

مفهوم المنهج العلمي · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفهوم المنهج العلميص ٢٥