تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

ليست مبدأ كونيا يصلح أساس المنهج العلمي بجلال قدره.

معنى هذا أن قوانين العلم التجريبي تفتقر إلى أساس مطمئن وإلى حجة تبرر مصداقيتها، فهل هي تعميمات لا عقلانية في حين أن العلم هو نجيب العقل الأثير؟! أين الأساس والتبرير العقلي للقفزة التعميمية؟ لا إجابة على هذا السؤال بعد انهيار السببية بفعل هيوم، فقيل إن التأمل في أصول المنهج العلمي يجعل نفرا من الفلاسفة التجريبيين شكاكا أو لا عقلانيين. وفي النهاية يبدو وكأنه يحق القول الدارج: الفلسفة لا منها ولا كفاية لشرها! لم تستطع أن تنجز ما أنجزه العلم، وحين قنعت بمحاولة تبريره وتمييزه بمعيار المنهج العلمي، انتهت إلى ما لا يمكن تبريره، إلى ما يعني أن العلم التجريبي بجلال قدره قائم على غير أساس!

قل أن يمر فيلسوف إبستمولوجي أو ميثودولوجي من المعنيين بالمعرفة التجريبية والمنهج العلمي، دون أن يحاول طرح حل لمشكلة الاستقراء والبحث عن تبرير لتعميم الوقائع، ولم ينجح أحد في تقديم إجابة بمنجاة من الطعن وإثبات القصور. وأسفر الوضع بفلسفة العلم ومفهوم المنهج العلمي عن موقف مأساوي وهزلي: العلم الحديث هو النجيب الأثير للعقل الإنساني وآيته ودرة ما أنجزه، «ولكن منذ زمان هيوم أصبحت البدعة المستحدثة في العلم هي إنكار عقلانيته»،

2

حتى يقول وايتهد

A. N. Whitehead (1861-1947م)، إن مشكلة الاستقراء هي «يأس الفلسفة»، وأسماها الفيلسوف الإنجليزي تشارلي دنبر برود

C. D. Broad (1887-1971م) «فضيحة الفلسفة»!

3

إن فلسفة العلم من الأعضاء الجدد في الأسرة الفلسفية، فهل حقا جلبت للأسرة العريقة النبيلة كل هذا العار والشنار ... الفضيحة واليأس؟! بلا أدنى مبالغات أو تعبيرات مجازية، بدت مشكلة الاستقراء وكأنها شاهد على عقم المباحث الفلسفية، حتى في مبحث مفهوم المنهج العلمي الذي قيل عنه، إنه أعظم إيجابية امتلكها العقل.

والحق أن مشكلة الاستقراء لم تكن دليلا على عقم الفلسفة، على مدى خصوبتها وثقوب بصرها، وقدرتها على استشراف آفاق مستقبلية في تطور العلم ونظرية المنهج العلمي. وما تكشف من عقم ويأس مردود إلى قصورات معرفية وظروف حضارية آنذاك، دفعت إلى رفع لواء البدء بالملاحظة، وأن يكون الفرض العقلي تاليا لها، حتى يبدو وكأنه تعميم لوقائع، فتتخلق مشكلة الاستقراء غير القابلة للحل. وسوف ننتقل الآن إلى ظروف مصاحبة لنشأة العلم الحديث وتناميه، لتتكشف حقيقة الأمر. (2) ظروف حضارية ومعرفية

مهما كانت مشكلة الاستقراء من أشهر مشكلات الميثودولوجيا وأكثرها إلحاحا، فإن ما نشدد عليه الآن أن هذه المشكلة لم تأت من صميم مفهوم المنهج العلمي، وما قد يبدو من تداخل في عناصره أو خطواته، التي بدت حصائلها مفتقرة للتبرير المنطقي بل وللعقلانية. بعبارة أخرى موجزة، مشكلة الاستقراء جاءت من ظروف حضارية وقصورات، أو أوضاع معرفية لها حدودها، وهي التي جعلت العقل العلمي في مرحلة من تطوره الحديث، يفترض أن الاستقراء التقليدي؛ أي البدء بالملاحظة، هو المنهج العلمي.

وتلك هي المشكلة الحقيقية: طالما نبدأ من الملاحظة فلن تجد مبررا للقفزة التعميمية، وتجلى ثقوب النظر الفلسفي في تعيين الخلل الكامن في تصور البدء بالملاحظة، وفيما بعد اتضح أن هذا التصور لا يعبر عن طبيعة المنهج العلمي، الذي يبدأ بفعل عقلي وفرض ما، بل هو تصور أملته ظروف خاصة بمرحلة الحداثة في القرن السابع عشر وما تلاه، ظروف حضارية وظروف معرفية.

ونبدأ بالظروف الحضارية، وفي هذا نلاحظ أن العلم نشاط معرفي، نعم، ولكنه لا ينشأ في سديم ولا يمارسه البشر/العلماء في خلاء، بل في إطار حضاري له ظروف وحيثيات، فيشتبك العلم كنشاط إنساني بهذه الظروف، ولا تفهم الحركة العلمية فهما متكاملا، من دون أن نأخذ في الاعتبار عواملها الخارجية؛ أي تفاعلاتها واشتباكاتها مع المؤسسات الاجتماعية والثقافية، والأوضاع الحضارية المحيطة بها في مرحلتها التاريخية المعنية.

مفهوم المنهج العلمي · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفهوم المنهج العلميص ٢٧