وتقوم ممارسة المنهج الاستنباطي الرياضياتي على أساس من مقدمات أساسية: وهي مجموع الحدود والقضايا الأولية، التي يسلم بها الرياضياتي قبلا بلا برهان، وتتكون من تعريفات ثم مصادرات تضم بديهيات ومسلمات. وللبديهية ثلاث خواص: أولا الوضوح الذاتي، فتكون في غير حاجة إلى شرح أو توضيح. وثانيا الأولانية المنطقية، فهي غير مأخوذة أو مستنبطة من أي قضايا أو مبادئ أخرى. والخاصية الثالثة أنها قاعدة صورية عامة، أما المسلمات فقد لا تكون بوضوح البديهية ونسلم بها فقط؛ لأن العالم رآها ضرورية لبناء نسقه الاستنباطي، وهي بدورها لها ثلاثة شروط: الاتساق الذاتي، فتكون خلوا من أي تناقض، ثم الاستقلال فتكون كل مسلمة مستقلة عن الأخرى، لا يمكن استنباطها منها؛ لأنه لو أمكن هذا لكانت مبرهنة وليست مسلمة. أما الشرط الثالث فهو الكفاية، فلا بد أن تكون المسلمات كافية لاستنباط المبرهنات؛ أي النظريات المطلوبة.
الرياضياتي له الحق في فرض ما يراه من مصادرات، حتى وإن بدت متنافية مع الواقع التجريبي المحسوس أو غير مطابقة له؛ فقد يسلم بأن السطح مستو كما فعل إقليدس في القرن الثالث قبل الميلاد، أو بأنه مقعر كما فعل لوباتشيفسكي (1792-1856م)، أو بأنه محدب كما فعل ريمان
B. Riemann (1826-1866م). وقد كانت الإقليدية هي الهندسة التطبيقية في فيزياء نيوتن الكلاسيكية، بينما جعل آينشتين من هندسة ريمان هندسة تطبيقية للفيزياء النسبية، ولا شأن للرياضيات البحتة بهذا وذاك، المهم أن يلتزم الرياضياتي بالتعريفات والمصادرات، التي وضعها طوال النسق.
هذه المقدمات من تعريفات ومصادرات هي نقطة البدء في الاستدلال، هي المادة الخام لفعل الاستنباط، هي المعلوم الذي سننتقل منه إلى مجهولات، وذلك باستعمال الوسائل المنطقية، وهي القواعد أو القوانين المنطقية، التي تحكم الاستدلال العقلي وتضمن سلامته، يكون الخروج من هذه المقدمات بالنتائج التي تلزم عنها. النتائج هي النظريات الرياضية التي تم إثباتها بفعل الاستنباط. النظرية الرياضية تسمى مبرهنة
theorem ؛ لأنها حظيت ببرهان يثبت لزومها عن المقدمات.
وفي هذا نلاحظ أن الاستنباط الرياضي استنباط إنشائي أو تركيبي، النتيجة ليست داخلة في المقدمات، بل هي لازمة عنها وزائدة عليها؛ لذلك كانت العلاقة المنطقية الضرورية، التي تربط المقدمات بالنتائج في الرياضيات، ليست علاقة التضمن بل علاقة اللزوم
implication . إن مساواة زوايا المثلث لقائمتين، ليست قضية داخلة في مقدمات إقليدس أو متضمنة فيها، كما هو الحال في استنباطات القياس الأرسطي التي توصف بالعقم، بل هي حلقة جديدة في السلسلة لازمة عن الحلقة السابقة عليها اضطرارا؛ أي إن كل قضية جديدة تنقلنا من معلوم إلى مجهول، كأن هناك بناء يركبه العقل أو ينشئه إنشاء، إنه بناء النسق الرياضياتي. (5) الاستقراء في العلوم التجريبية
حين بدأت إرهاصات وبشائر فلسفة العلم في أواسط القرن التاسع عشر من أجل صياغة نظرية المنهج العلمي التجريبي، كان الإجماع منعقدا تقريبا على أنه الاستقراء.
الاستقراء في اللغة: هو التتبع، ومن استقرأ الأمر فقد تتبعه لمعرفة أحواله، وعند التطبيقيين هو الحكم على الكلي لثبوت ذلك الحكم في الجزئي.
8
ومنهج الاستقراء
induction
مقابل صريح لمنهج الاستنباط؛ لأن الاستنباط
deduction
استدلال هابط يبدأ من مقدمات كلية، ويهبط منها إلى نتائج جزئية تلزم عنها بالضرورة، ينتقل من الكل إلى الجزء بغير حاجة إلى تجريب، أما الاستقراء فهو استدلال صاعد، ينتقل من الجزء إلى الكل، فيبدأ من ملاحظة جزئيات تجريبية، ليصعد منها إلى صيغة كلية على هيئة قانون كلي عام، يحكم جميع الحالات المتماثلة أينما وقعت ووقتما وقعت.