System of Logic
وضع للاستقراء بوصفه منهج العلم لوائح أو ضروبا خمسا، وهي منهج الاتفاق الذي يرصد حالات اتفاق العلة مع معلولها، ومنهج الاختلاف الذي يرصد حالات غياب المعلول بغياب العلة، ومنهج الجمع بين الاتفاق والاختلاف، ومنهج التغير النسبي، وأخيرا منهج البواقي. إنها طرق استكشاف العقل للعلاقات السببية بواسطة التجريب؛ أي طرق تعميم الملاحظات التجريبية، التي يبدأ البحث العلمي برصدها، ليصل إلى القوانين.
مرحلة العلم المحدث، المعاصر منذ العام 1900م وما تلاه، منذ أن تفجرت ثورة النسبية والكوانتم، التي أحدثت انقلابا في مثاليات المعرفة العلمية، ويحق اعتبارها أعظم ثورة عقلية أنجزها الإنسان، وتصاعدت معها معدلات التقدم العلمي بصورة مبهرة حقا. لقد أحدثت انقلابا جذريا في مثاليات المعرفة العلمية وفي إبستمولوجيا العلم،
6
وبالتالي واكبها انقلاب مماثل في نظرية المنهج التجريبي، بحيث اتضح أنه يبدأ من الفرض ويهبط منه إلى الملاحظة والواقع التجريبي، فيما يعرف بنظرية المنهج الفرضي الاستنباطي، التي تمثل نضجا ملحوظا وتطورا خصيبا، لقد انتقلت نظرية المنهج التجريبي من الاستقراء إلى المنهج الفرضي الاستنباطي، إنه التقاء ثمين بين التجريب والاستنباط، يعني إزاحة الاستقراء - الذي هو تجريب خالص - جانبا.
هكذا نلاحظ كيف كانت نظرية المنهج العلمي حوارا وشجارا ولقاء وافتراقا، بين طريقين متقابلين هما الاستنباط والاستقراء، وسوف نتوقف الآن عند كل منهما، فنعرض للاستنباط منهج العلوم الرياضية، ثم الاستقراء الذي حمل على عاتقه لواء الثورة التجريبية العظمى، في القرن السابع عشر وما تلاه، قبل أن يلتحم مرة أخرى بالاستنباط في تطور رائع لنظرية المنهج العلمي. (4) الاستنباط في الرياضيات
المنهج الصوري أو منهج العلوم الصورية هو الاستنباط
deduction ، الآلية الذهنية العاملة في التفكير الرياضي والبحث في العلوم المنطقية والرياضية.
الاستنباطية كآلية ذهنية له أشكال وفعاليات كثيرة، متفاوتة في طبيعتها وفي دورها وفي قيمتها، يستخدمه العقل البشري في أي لحظة حين يستخرج مضمونا من مضمون آخر، دون التجاء للتجريب، مثلا حين يستخرج المعاني من النصوص، أو الجزء من الكل أو الخاص من العام، أو المثيل من المثيل، أو ينتقل من القاعدة إلى حالة جزئية لها. والاستنباط كمنهج بحث وتنظيم لفعاليات العقل، له أيضا أشكال عديدة متفاوتة، على أن أرقى أشكاله وممارساته في الرياضيات.
فما الاستنباط؟
ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم (سورة النساء، الآية: 83).
وفي التفسير الميسر جاء معنى هذا: «لعلم حقيقة معناه أهل الاستنباط منهم» من الناحية الإتيمولوجية مصطلح، أو لفظة الاستنباط مأخوذة من لفظ «نبط» وهو نبع الماء، ونبط الماء وأنبطه واستنبطه؛ أي استخرجه من النبط بفعل فاعل. ثم أصبح الاستنباط يعني الاستخراج على عمومه، خصوصا استخراج المثمر الجيد النافع المفيد؛ فالماء في البيئة الصحراوية التي نشأت فيها اللغة العربية، يختزل دلالات الخير العميم المرجو دائما، فيقال: استنبط الحكم؛ أي استخرجه بالاجتهاد. وفي تعريفات الجرجاني: «الاستنباط اصطلاحا هو استخراج المعاني من النصوص بفرط الذهن وقوة القريحة.»
7
هكذا نجد القدماء قد عرفوا مصطلح الاستنباط، واستخدموه كفعل ذهني ذي طريق محدد، وعرفوا أيضا أشكالا للمنهج الاستنباطي، أشهرها القياس الأرسطي والقياس الأصولي. وفي استعمال جديد ومتطور لهذا المصطلح القديم، يأتي علم مناهج البحث الحديث، ليسير في طريق خدمة الفعل الذهني الاستنباطي، كي يستخرج الصورة الإيجابية المنتجة له في منهج الرياضيات.
يقوم المنهج الرياضي، أو نمط التفكير الرياضياتي، على استنباط بمعنى استخراج النتائج من مقدمات، والانتقال من قضية أو قضايا إلى أخرى تلزم عنها، والمقدمات في النسق الرياضياتي تقوم على بديهيات، يسلم بها العقل لوضوحها أو بداهتها؛ لذلك يسمى المنهج الرياضياتي: المنهج الأكسيوماتيكي الاستنباطي (الأكسيوماتيكي = البديهي). واستنباط النتائج من المقدمات يعني البرهنة على هذه النتائج. الصفة الأساسية للاستنباط هي لزوم النتائج عن المقدمات بالضرورة، متى سلمنا بالمقدمات لا بد أن نسلم بالنتيجة المستنبطة منها، فإذا أنكرناها وقعنا في التناقض. اللزوم والضرورة والدقة هي خصائص النتائج المستنبطة، خصائص القضايا الرياضية التي هي تحليلية تحصيل حاصل، توصف بالصحة والبطلان وليس الصدق والكذب.